أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْأَخَوَاتُ مَا أَجْمَلَ أَنْ يَعِيشَ الْمُسْلِمُ حَيَاتَهُ كُلَّهَا لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَيَسْتَحْضِرَ تَوْحِيدَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ وَشُؤُونِهِ. اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: "قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ بِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ."
عِنْدَمَا يَتَأَمَّلُ الْمُسْلِمُ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِدُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّكُ لِلَّهِ وَالْأَذْكَارُ الَّتِي عَلَّمَنَا إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجِدُ أَنَّ كُلَّهَا فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ. وَهَذَا يَجْعَلُ حَيَاتَكَ كُلَّهَا تَوْحِيدًا وَذِكْرًا. تَتَأَمَّلُ فِي هَذِهِ الْأَذْكَارِ تَجِدُ فِيهَا الِاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ، تَجِدُ فِيهَا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، تَجِدُ فِيهَا ذِكْرَ اللَّهِ فَتَكُونُ حَيَاتُكَ كُلَّهَا تَوْحِيدًا لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
فَمَثَلًا أَوَّلَ مَا تَفْتَحُ عَيْنَيْكَ مِنَ نَوْمِكَ تَشْعُرُ بِعَظِيمِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاكَ عُمْرًا جَدِيدًا تَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ. فَهَنَا تَأَمَّلْ كَيْفَ الْقَلْبُ يَنْكَسِرُ لِلَّهِ وَيَقُولُ مِنْ قَلْبِكَ تَقُولُهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ." هَذَا تَوْحِيدٌ. وَحَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ شُكْرُ النِّعْمَةِ، تَفْتَتِحُكَ بِشُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ. ثُمَّ تَقُومُ تَدْخُلُ الْخَلَاءَ تَسْتَعِينُ بِاللَّهِ وَتَفْتَقِرُ إِلَى اللَّهِ حَتَّى يَدْفَعَ عَنْكَ الضُّرَّ وَالشَّرَّ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ." هَذِهِ عُبُودِيَّةٌ، هَذِهِ اسْتِعَاذَةٌ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
وَعِنْدَمَا تَقْضِي حَاجَتَكَ وَيُخْرِجُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَذَى مِنْ بَطْنِكَ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَيْفَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْعَمَكَ هَذَا الطَّعَامَ وَاسْتَفَادَ مِنْهُ الْجِسْمُ ثُمَّ يُخْرِجُ الضَّارَّ مِنْهُ.
تَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ وَتَقُولُ: "غُفْرَانَكَ." يَعْنِي أَسْتَغْفِرُكَ يَا رَبِّ مِنْ تَقْصِيرِي فِي شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ. نِعْمَةُ خُرُوجِ الْأَذَى نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مَهْمَا شَكَرْتَ اللَّهَ فَأَنْتَ مُقَصِّرٌ. فَتَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَكَ غُفْرَانَكَ.
وَتَتَوَضَّأُ فِي هَذَا الْوَقْتِ. هَذَا الْوَقْتُ الْعَظِيمُ. الْمُوَحِّدُ حَقًّا - الْإِخْوَةُ - الَّذِي فِي قَلْبِهِ حَقًّا مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنَامَ هَذَا الْوَقْتَ كُلَّهُ وَلَا يَقُومَ إِلَّا عَلَى الْفَجْرِ. لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ الْمُبَارَكَ آخِرَ اللَّيْلِ وَقْتُ الْخَلْوَةِ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. هَذَا الْوَقْتُ وَقْتُ الْمُشْتَاقِينَ، وَقْتُ الْمُحِبِّينَ. النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا" - وَهَذَا كَمَا يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ - "يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ. فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟" هَذَا وَقْتُ الْقُرْبِ. مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ عَرْشِهِ سُبْحَانَهُ جَلَّ وَعَلَا، لَكِنَّ هَذَا النُّزُولَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِكَيْفِيَّتِهِ. فَتَشْعُرُ بِقُرْبِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْكَ. وَلِهَذَا بَعْضُ التَّابِعِينَ كَانَ يَقُولُ: "أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا" - يَعْنِي مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - "كَانُوا يَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ مِنْ طُولِ الضَّجْعَةِ بِاللَّيْلِ." فَتَقُومُ تَتَوَضَّأُ لِقِيَامِ اللَّيْلِ وَتَقُومُ بِقَلْبٍ خَاشِعٍ.
تَتَوَضَّأُ وَهَذَا الْوُضُوءُ أَدَبٌ قَبْلَ أَنْ تَقِفَ أَمَامَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ الْأَدَبِ وَالتَّعْظِيمِ. حَتَّى كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا تَوَضَّأَ اصْفَرَّ لَوْنُهُ وَيَقُولُ: "أَتَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ؟"
تَتَوَضَّأُ وَأَنْتَ خَاشِعٌ ثُمَّ تُصَلِّي مَا يَتَيَسَّرُ لَكَ وَتَأَمَّلْ كَيْفَ بَعْدَ الْوُضُوءِ تَقُولُ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ." شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ هِيَ الَّتِي تَغْسِلُ قَلْبَكَ كَمَا أَنَّ الْوُضُوءَ يُطَهِّرُ ظَاهِرَكَ وَبَدَنَكَ. تَقُومُ تُصَلِّي مَا يَتَيَسَّرُ لَكَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ.
ثُمَّ تَسْتَغْفِرُ اللَّهَ: "كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ." هَذَا الَّذِي يَعْرِفُ عَظَمَةَ اللَّهِ وَأَنَّهُ مَهْمَا عَبَدَ اللَّهَ فَلَنْ يُوَفِّيَ حَقَّهُ مِنَ التَّعْظِيمِ. فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فَيَخْتِمُ صَلَاتَهُ وَلَيْلَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ لِلَّهِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ. وَهَكَذَا إِذَا لَبِسْتَ ثَوْبَكَ تَقُولُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا الثَّوْبَ وَرَزَقَنِي مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ."
وَإِذَا خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ تَقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ." هَذَا اسْتِعَانَةٌ وَتَوْحِيدٌ. فَيَقُولُ لَكَ الْمَلَكُ: "هُدِيتَ وَوُقِيتَ وَكُفِيتَ." وَتَمْشِي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَأَنْتَ فَرِحٌ مُسْتَبْشِرٌ تَسْتَشْعِرُ أَنَّكَ تَمْشِي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ لِلِقَاءِ اللَّهِ، لِمُنَاجَاةِ اللَّهِ. فَهَذَا مَوْعِدٌ عَظِيمٌ مَعَ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ: "وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا." وَإِذَا رَكِبْتَ سَيَّارَتَكَ تَقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، مَا كُنَّا نُطِيقُ أَنْ نُسَخِّرَ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَهَذِهِ السَّيَّارَةَ لِأَنْ تَنْقُلَنَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لَوْلَا قُدْرَةُ اللَّهِ وَتَعْلِيمُ اللَّهِ لَنَا. فَتَعْتَرِفُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ: "وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ." الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ.
اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. "اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ." فَانْظُرْ فِي الدُّعَاءِ كُلُّهُ تَسْبِيحٌ وَتَحْمِيدٌ وَتَكْبِيرٌ جَلَّ وَعَلَا.
وَهَكَذَا الْمُوَحِّدُ لَا يَزَالُ لِسَانُهُ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَقَلْبُهُ مُشْتَعِلٌ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ. فَلَا يَزَالُ يَذْكُرُ رَبَّهُ جَلَّ وَعَلَا كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْوَالِهِ فِي كُلِّ أَحْيَانٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَتُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ وَصَلَاةَ الْفَجْرِ وَتَجْلِسُ تَذْكُرُ رَبَّكَ فِي بِدَايَةِ يَوْمِكَ. تَذْكُرُ أَذْكَارَ الصَّبَاحِ وَتَأَمَّلْ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَهَذِهِ مِنَ السُّنَّةِ. وَتَفْتَتِحُ يَوْمَكَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَوْ تَتَأَمَّلُ فِي أَذْكَارِ الصَّبَاحِ تَجِدُ أَنَّهَا كُلَّهَا تَوْحِيدٌ. أَذْكَارُ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ: "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذَا الْيَوْمِ، خَيْرَ مَا بَعْدَهُ." وَإِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ: "اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ." هَذَا اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ: "بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا." وَكَذَلِكَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ: "اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا." يَعْنِي لَا نُطِيقُ أَنْ نُصْبِحَ وَأَنْ نُمْسِيَ وَأَنْ نَعِيشَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا بِمُصَاحَبَتِكَ يَا رَبِّ، بِذِكْرِكَ، بِعِبَادَتِكَ، أَنْ تَكُونَ مَعَنَا وَأَنْ نَكُونَ مَعَكَ يَا رَبِّ. تَأْنَسُ بِاللَّهِ. وَهَكَذَا لَوْ تَتَأَمَّلُ فِي أَذْكَارِ الصَّبَاحِ قَوْلُ: "أَمَّا اسْتِعَاذَةٌ بِاللَّهِ مِنَ الشُّرُورِ، اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ، شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى." وَهَكَذَا ثُمَّ تَعُودُ إِلَى بَيْتِكَ تَدْخُلُ عَلَى أَهْلِكَ وَأَوْلَادِكَ يَسْمَعُونَ مِنْكَ كَلِمَةً طَيِّبَةً، يَرَوْنَ مِنْكَ ابْتِسَامَةً حَانِيَةً. تُعَامِلُهُمْ لِلَّهِ. هَذَا كُلُّهُ لِأَجْلِ اللَّهِ. وَلَا يَخْلُو كَلَامُكَ مِنْ تَذْكِيرٍ ذَا جَلَسْتَ مَعَ أَهْلِكَ فِي الصَّبَاحِ فِي الْمَسَاءِ. لَا تَجْعَلْ كَلَامَكَ يَخْلُو مِنْ تَذْكِيرٍ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: تَذْكِيرٍ بِنِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ، تَذْكِيرٍ بِعَظَمَةِ اللَّهِ. تُذَكِّرُهُمْ بِسِيرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَحُثُّهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ، عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَحِفْظِهِ.
وَهَكَذَا. اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: "وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ. قَالُوا: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ. فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ. إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ."
وَهَكَذَا تَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَمَلِكَ وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَنْفَعَ عِبَادَ اللَّهِ. وَهَذَا مِنَ تَمَامِ مَحَبَّةِ اللَّهِ: أَنْ تُحِبَّ الْخَيْرَ لِعِبَادِ اللَّهِ، أَنْ تُحِبَّ الْخَيْرَ لِلْمُسْلِمِينَ، بَلْ تُحِبَّ الْخَيْرَ لِعَامَّةِ النَّاسِ حَتَّى غَيْرَ الْمُسْلِمِ تُرَغِّبُهُ فِي الْإِسْلَامِ بِالْمُعَامَلَةِ الْحَسَنَةِ وَالْأَخْلَاقِ الطَّيِّبَةِ.
فَتَكُونُ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ. إِذَا خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ، تُؤَدِّي أَمَانَتَكَ فِي وَظِيفَتِكَ وَتَتَعَامَلُ مَعَ النَّاسِ لِوَجْهِ اللَّهِ. لَا تُرِيدُ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا. مَا يَكُونُ مَقْصُودُكَ الْأَكْبَرُ: أُرِيدُ زِيَادَةَ رَاتِبٍ، أُرِيدُ تَرْقِيَةً، أُرِيدُ مَكَانَةً، أُرِيدُ تَمَيُّزًا. هَذَا يَأْتِي تَبَعًا بِإِذْنِ اللَّهِ.
لَكِنْ أَنْتَ تُخْلِصُ النِّيَّةَ لِلَّهِ. وَهَكَذَا لَا يَخْلُو يَوْمُكَ فِي وَظِيفَتِكَ مِنْ ذِكْرٍ لِلَّهِ. لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
وَتَجِدُ وَقْتًا تُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْ الضُّحَى إِذَا تَيَسَّرَ لَكَ ذَلِكَ. صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ." هَذَا الْوَقْتُ لَيْسَ فِيهِ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ
رَحْمَتِهِ خَفَّفَ عَلَى النَّاسِ لِأَنَّ هَذَا وَقْتُ مَعَاشِ النَّاسِ. تَأَمَّلْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ هَذَا نِصْفُ النَّهَارِ بِأَكْمَلِهِ لَا تُوجَدُ فِيهِ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ، بِخِلَافِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ بَعْدِ الظُّهْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ هُنَاكَ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي وَسَطِهِ.
لَكِنْ تَأَمَّلْ لَمَّا كَانَ هَذَا الْوَقْتُ لَيْسَ فِيهِ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ كَانَ الَّذِي يَقُومُ مِنْ عَمَلِهِ مِنْ شُغْلِهِ فِي الدُّنْيَا وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِلَّهِ مَا تَأْخُذُ مِنْكَ وَقْتًا طَوِيلًا. رَكْعَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَضُرُّ عَمَلَكَ وَلَا تَضُرُّ وَاجِبَكَ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِي عَمَلِكَ. فَحَقًّا تَكُونُ هَذِهِ صَلَاةَ الْأَوَّابِينَ، تَكُونُ أَوَّابًا لِلَّهِ. لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ مَا فِيهِ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ تَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ، تَرْجِعُ إِلَى رَبِّكَ، تَؤُوبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَسُمِّيَتْ صَلَاةَ الْأَوَّابِينَ. هَذِهِ صَلَاةُ الضُّحَى حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ، يَعْنِي عِنْدَمَا يَشْتَدُّ الْحَرُّ شَيْئًا، الْعَاشِرَةَ أَوْ مَا بَعْدَهَا تَقْرِيبًا. فَيَشْتَدُّ الْحَرُّ، فَالْفِصَالُ - يَعْنِي الْفَصِيلَ صَغِيرَ الْإِبِلِ - لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبْرِكَ عَلَى الرِّمَالِ الْحَارَّةِ.فَالشَّاهِدُ أَنَّ أَيِ الْـ يَعْنِي هَذَا الْوَقْتُ وَقْتٌ مُبَارَكٌ وَيُحَافِظُ الْمُسْلِمُ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ يَعْنِي الصَّلَاةِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا. إِذَا يَعْنِي رَجَعْتَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى بَيْتِكَ مُمْكِنٌ أَنْ تَأْخُذَ لَكَ قَيْلُولَةً تَنْوِي بِهَا أَنْ تَتَقَوَّى عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ اللَّهِ وَكُلٌّ بِحَسَبِ وَقْتِهِ، فَهَذِهِ قَدْ تُعِينُ الْمُسْلِمَ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ. وَتَجْلِسُ عَلَى مَائِدَةِ الْغَدَاءِ حَتَّى عِنْدَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ الْـ تَأَمَّلْ كَيْفَ تَظْهَرُ الْعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى: أَوَّلَ مَا تَأْكُلُ تَقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ." بِسْمِ اللَّهِ هَذِهِ كَلِمَةٌ فِيهَا إِخْلَاصٌ لِلَّهِ لِأَنَّ تَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ الْمَعْبُودِ. بِسْمِ اللَّهِ فَأَنْتَ إِنَّمَا تَأْكُلُ حَتَّى تَتَقَوَّى عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ. وَأَيْضًا بِسْمِ اللَّهِ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ، وَإِلَّا كَمْ مِنْ صَحِيحٍ أَوْ كَمْ مِنْ غَنِيٍّ عِنْدَهُ الْمِلْيَارَاتُ لَكِنْ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُدْخِلَ لُقْمَةً فِي فَمِهِ، مُمْكِنٌ يُدْخِلُ لَهُ الطَّعَامَ مِنْ مَعِدَتِهِ.
اللَّهُ أَنْ يُعَافِيَ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ. لَكِنْ تَأَمَّلْ حَتَّى تَعْلَمَ افْتِقَارَكَ إِلَى اللَّهِ حَتَّى وَأَنْتَ تُدْخِلُ لُقْمَةً تَقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ." يَعْنِي آكُلُ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ: "أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ." كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا." لِأَنَّ هَذِهِ جَلْسَةُ الْمُتْرَفِينَ الْمُتَكَبِّرِينَ. وَسُئِلَ فَقَالَ: "بَلْ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ." وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ وَهُوَ مُقْعٍ، يَعْنِي يَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَأْكُلُ أَوْ يَعْنِي يَجْثُو عَلَى رُكْبَةٍ وَيَرْفَعُ يَعْنِي سَاقَهُ كَمَا هِيَ الْجَلْسَةُ
الْمَعْرُوفَةُ. يَقُولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ عَلَى سُكْرُجَةٍ قَطُّ، وَلَا قَالَ خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ، وَلَا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ." قِيلَ: عَلَى مَاذَا؟ قَالَ: "عَلَى السُّفْرَةِ." يَعْنِي مَا يَأْكُلُ عَلَى يَعْنِي الطَّاوِلَاتِ الْمَرْفُوعَةِ أَوْ الْمَوَائِدِ الْمَوْضُوعَةِ وَإِنَّمَا سُفْرَةٌ تُطْوَى. فَهَذَا مِنْ تَوَاضُعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيَلْعَقُ يَدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَلْعَقُ الْإِنَاءَ لَا يَتْرُكُ فِيهِ يَعْنِي نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى تُلْقَى هَكَذَا.
بَلْ هَذَا مِنَ تَوَاضُعِهِ مَعَ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَأْكُلُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَيَقُولُ: "مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ." يَقْتَصِدُ فِي طَعَامِهِ: "ثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، ثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ."
كَانَ إِذَا انْتَهَى مِنْ طَعَامِهِ يَقُولُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِي مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ." انْظُرْ إِلَى الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ وَحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَقُولُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ." يَعْنِي اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْكَافِي الَّذِي يَكْفِينَا، يَكْفِي عِبَادَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى أَحَدٍ يَكْفِيهِ. غَيْرَ مَكْفِيٍّ فَهُوَ الْغَنِيُّ. تَسْتَشْعِرُ غِنَى اللَّهِ. فَأَنْتَ تَأْكُلُ كُلَّ لِأَنَّكَ مُحْتَاجٌ إِلَى الطَّعَامِ. أَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ، يَعْنِي غَيْرَ مَتْرُوكٍ، لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَخَلَّى عَنْ رَبِّنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ. وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ. ذِكْرٌ جَمِيلٌ: "وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ." يَعْنِي مَا تَسْتَغْنِي عَنْ رَبِّكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ. هَذَا تَفْسِيرٌ لِهَذَا الذِّكْرِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهِ.
وَكَانَ يَقُولُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا." "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَ جَعَلَهُ سَائِغًا." ثُمَّ قَالَ: "وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا." انْظُرْ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي شُكْرِ النِّعْمَةِ. وَهَكَذَا تُصَلِّي الْعَصْرَ. وَهَذِهِ الصَّلَاةُ صَلَاةٌ عَظِيمَةٌ. هِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى وَهِيَ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
"وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ." وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ." وَكَانَ السَّلَفُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يُعَظِّمُونَ وَقْتَ الْعَشِيِّ أَعْظَمَ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ لِوَقْتِ الْغَدَاةِ. وَيَجْعَلُونَ أَوَّلَ النَّهَارِ لِلدُّنْيَا وَآخِرَهُ لِلْآخِرَةِ. فَتَشْغَلُ هَذَا الْوَقْتَ بِذِكْرِ اللَّهِ. تَقُولُ أَذْكَارَ الْمَسَاءِ وَيَكُونُ لَكَ وِرْدُكَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. تَقْرَأُ مَا يَتَيَسَّرُ مِنَ الْقُرْآنِ. الْمُوَحِّدُ وَاحِدٌ مَا يَسْتَغْنِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ غِذَاءُ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ.
وَتَجْلِسُ مَعَ أَهْلِكَ مَعَ أَوْلَادِكَ عَلَى مَائِدَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، عَلَى مَا يَنْفَعُكُمْ، حَتَّى عَلَى اللَّهْوِ الْمُبَاحِ وَاللَّعِبِ الْمُبَاحِ تُسَلِّيهِمْ.
وَهَكَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا تَنْظُرُ فِي حَيَاتِهِ تَجِدُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَعْمَالَهُ، حَرَكَاتِهِ، أَقْوَالَهُ مَصْبُوغَةً بِالتَّوْحِيدِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ. حَتَّى قَالَتْ قَيْلَةُ بِنْتُ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ." يَعْنِي الِاحْتِبَاءَ بِالْيَدِ عِنْدَمَا يَرْفَعُ يَعْنِي رُكْبَتَيْهِ وَيَحْتَبِيهِ هَكَذَا. فَتَقُولُ: "أَتَيْتُهُ وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَخَشِّعَةَ فِي الْجَلْسَةِ اُرْعِدْتُ مِنَ الْفَرَقِ." يَعْنِي سُبْحَانَ اللَّهِ رَأَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَالِهِ مِنَ التَّخَشُّعِ لِلَّهِ كَأَنَّهُ يَذْكُرُ رَبَّهُ. يَعْنِي وَقَدْ يَعْنِي هَكَذَا احْتَبَى وَيَعْنِي حَتَّى دَخَلَ فِي الْقَلْبِ الْهَيْبَةُ. سُبْحَانَ اللَّهِ مِنْ مُجَرَّدِ جَلْسَةٍ يَجْلِسُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كَانَ يُسْمَعُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ." مِائَةَ مَرَّةٍ. وَحَتَّى تَبَسُّمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَحِكُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." تَأَمَّلْ وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا. لَا يُقَهْقِهُ وَلَا يُبَالِغُ فِي الضَّحْكِ. تَبَسُّمًا، يَعْنِي حَتَّى ضَحِكُهُ مَصْبُوغٌ بِصِبْغَةِ التَّخَشُّعِ لِلَّهِ.
وَيَقُولُ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلَ الصَّمْتِ قَلِيلَ الضَّحْكِ." هَذَا فِي قَلْبِهِ خَوْفٌ وَتَعْظِيمٌ لِلَّهِ، إِقْبَالٌ عَلَى اللَّهِ، شَوْقٌ لِلِقَاءِ اللَّهِ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُطِيلَ الْحَدِيثَ مَعَ النَّاسِ. طَوِيلُ الصَّمْتِ، طَوِيلُ الْفِكْرَةِ. إِذَا كَانَ طَوِيلَ الصَّمْتِ سَيَكُونُ طَوِيلَ الْفِكْرَةِ. وَقَلِيلَ الضَّحْكِ. وَتَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ." كَلَامُهُ فَصْلٌ وَقَلِيلٌ لَكِنْ فِيهِ أَعْظَمُ خَيْرٍ
وَبَرَكَةٍ. وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرَ النَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ، يَتَمَتَّعُ بِالنَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ. لِأَنَّهُ يَشْتَاقُ لِلِقَاءِ اللَّهِ. فَاللَّهُ تَعَالَى فِي الْعُلُوِّ. فَيَنْظُرُ إِلَى جِهَةِ رَبِّهِ وَيَشْتَاقُ لِلِقَائِهِ. يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ. تَفَكَّرْ فِي هَذَا الْمَخْلُوقِ الْعَظِيمِ: هَذِهِ السَّمَاوَاتُ. "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ."
وَهَكَذَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الشِّخِّيرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ." فَلَوْ تَتَبَّعْ تَتَتَبَّعُ أَحْوَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْبِطُهَا بِمَوْضُوعِ التَّخَشُّعِ وَالتَّعَبُّدِ، سَتَجِدُ سُبْحَانَ اللَّهِ أَنَّ حَقًّا حَيَاتَهُ كُلَّهَا تَوْحِيدٌ وَتَخَشُّعٌ وَتَعَبُّدٌ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
يَأْتِيهِ الْأَعْرَابِيُّ يَجْذِبُهُ مِنْ رِدَائِهِ حَتَّى يُؤَثِّرَ فِي عُنُقِهِ وَيَقُولُ: "يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي مِنْ الْمَالِ الَّذِي عِنْدَكَ." انْظُرْ إِلَى يَعْنِي الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. مَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَضْرِبُ وَلَا يَصْرُخُ وَأَبَدًا يَبْتَسِمُ فِي وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "مُرُّوا لَهُ بِعَطَاءٍ." غَايَةُ الْخُشُوعِ وَالتَّطَامُنِ. وَهَكَذَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. تَأْتِي الْجَارِيَةُ الَّتِي قَدْ يَكُونُ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، تَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيَقْضِي حَاجَتَهَا فِي أَيِّ سِكَكِ الْمَدِينَةِ شَاءَتْ. يَقْضِي لَهَا مَا تُرِيدُ. وَكَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَيَعْنِي حَيَاتُهُ كُلَّهَا عُبُودِيَّةٌ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَتَوَاضُعٌ لِلَّهِ، وَرَحْمَةٌ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ. وَهَكَذَا كَانَ يَقْضِي مَعَ أَصْحَابِهِ الْوَقْتَ فِي تَعْلِيمِهِمُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ. حَتَّى إِذَا وَضَعْتَ جَنْبَكَ عَلَى فِرَاشِكَ لِتَنَامَ، هُنَا انْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْعَبْدِ فِي غَايَةِ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ. حَالُكَ كَحَالِ الْمَيِّتِ الَّذِي يَضْطَجِعُ عَلَى جَنْبِهِ لِيُسْلِمَ رُوحَهُ لِلَّهِ لِأَنَّ النَّوْمَ وَفَاةٌ. لَوْ تَتَذَكَّرُ فَقَطْ هَذَا الْحَالَ لَكَ الْآنَ كَأَنَّكَ سَتَمُوتُ. وَحَتَّى النَّائِمُ يَتَخَفَّفُ مِنْ ثِيَابِهِ وَيَضْطَجِعُ عَلَى يَمِينِهِ وَيَضَعُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّهُ تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَضْطَجِعُ عَلَى يَمِينِهِ كَحَالِ الْمَيِّتِ. سُبْحَانَ اللَّهِ!
وَتَقُولُ: "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا." فِي حَالَةِ الِافْتِقَارِ: "بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، فَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ."
وَأَنْتَ فِي نِهَايَةِ يَوْمِكَ تَتَذَكَّرُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكَ فِي الْيَوْمِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ!" هَذِهِ مِنْ أَدْعِيَةِ النَّوْمِ. وَ تَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ، تَقْرَأُ الْمُعَوِّذَاتِ تَنْفُثُ بِهَا عَلَى جَسَدِكَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ. وَتَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى بِعَظَمَتِهِ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَأُصُولِ الْإِيمَانِ: "آمَنَ الرَّسُولُ..." وَتُسَبِّحُ اللَّهَ 33 وَتَحْمَدُهُ 33 وَتُكَبِّرُهُ 34. هَذِهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ خَادِمٍ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. لِأَنَّ قَلْبَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُحِبِّ لَا أَلذَّ لَهُ عِنْدَهُ مِنْ ذِكْرِ مَحْبُوبِهِ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَ الْحَيَاةَ. فَيُسَبِّحُ اللَّهَ وَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُ اللَّهَ. يَكُونُ الشَّيْءُ الَّذِي فِي قَلْبِهِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ أَيْ: "أَذْكُرُ اللَّهَ مَحَبَّةً لَهُ جَلَّ وَعَلَا قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ رُوحِي لِلَّهِ." وَيَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا تَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ."
انْظُرْ كَيْفَ الِافْتِقَارُ التَّامُّ وَالتَّوْحِيدُ لِلَّهِ. "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ. آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ." فَإِنْ مُتَّ، مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ. فَتَأَمَّلْ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ أَعْظَمُ عِبَادَةٍ عَمَلِيَّةٍ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا. تَأَمَّلْ فِي مَقْصُودِهَا، تَرَى أَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
الْكَلِمَاتُ الَّتِي يُنَادَى بِهَا لِلصَّلَاةِ، كَلِمَاتُ الْأَذَانِ كُلُّهَا كَلِمَاتُ تَوْحِيدٍ. هَذِهِ الْكَلِمَاتُ يَتَجَاوَبُ مَعَهَا كُلُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ إِنْسٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ." لِأَنَّ الْكَوْنَ كُلَّهُ يُوَحِّدُ اللَّهَ، يُسَبِّحُ اللَّهَ، فَيَتَجَاوَبُ مَعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَيَشْهَدُ لِلْمُؤَذِّنِ لِقَائِلِهَا. وَهَكَذَا هَذَا الْمَوْعِدُ الْعَظِيمُ مَعَ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي الصَّلَاةِ يُعْلَنُ عَنْهُ بِكَلِمَاتِ التَّوْحِيدِ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ." لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْمَوْعِدِ تَحْقِيقُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، تَحْقِيقُ "اللَّهُ أَكْبَرُ."
وَلِهَذَا تَأَمَّلْ كَيْفَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ: "إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي." قَالَ: "فَاعْبُدْنِي." كَيْفَ أَعْبُدُكَ؟ قَالَ: "وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي." وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ." فَهَذَا جِمَاعُ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ." فَالصَّلَاةُ هِيَ عَمُودُ هَذَا الدِّينِ، حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ. أَنْتَ كَيْفَ تُحَقِّقُ التَّوْحِيدَ الْعَمَلِيَّ لِلَّهِ، تَوْحِيدَ
الْعِبَادَةِ لِلَّهِ؟ كَيْفَ يَتَحَقَّقُ هَذَا فِي نَفْسِكَ فِي أَعْمَالِكَ إِلَّا بِالصَّلَاةِ، بِالْعِبَادَةِ لِلَّهِ، وَالسُّجُودِ لِلَّهِ. وَلِهَذَا ذَهَبَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الَّذِي لَا يُصَلِّي لَيْسَ لَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ شَيْءٌ. الَّذِي لَا يُصَلِّي وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِالصَّلَاةِ وَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا، يَعْنِي لَا يَسْجُدُ سَجْدَةً لِلَّهِ. هَلْ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ ذَرَّةُ إِيمَانٍ وَإِسْلَامٍ؟ أَيْنَ اسْتِسْلَامُهُ لِلَّهِ إِذَا مَا سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا؟ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ." وَقَالَ: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ."
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: "كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلَّا الصَّلَاةَ." وَهَذِهِ الصَّلَاةُ هِيَ الْعِبَادَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِ مُسْلِمٍ كَيْ يُظْهِرَ عُبُودِيَّتَهُ لِلَّهِ. تُظْهِرُ مَحَبَّتَكَ لِلَّهِ، تُظْهِرُ تَذَلُّلَكَ لِلَّهِ، خُضُوعَكَ لِلَّهِ مِنْ خِلَالِ الصَّلَاةِ. وَهَذَا أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِ: "أَنَا أُصَلِّي تَعَبُّدًا لِلَّهِ، أَنَا عَبْدٌ لِلَّهِ وَأُظْهِرُ عُبُودِيَّتِي مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، أُظْهِرُ مَحَبَّتِي لِلَّهِ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، أُظْهِرُ خُضُوعِي لِلَّهِ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الصَّلَاةِ." وَلِذَلِكَ هَذِهِ الْعِبَادَةُ هِيَ الَّتِي تَتَكَرَّرُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ.
لَا تُوجَدُ عِبَادَةٌ مَفْرُوضَةٌ تَتَكَرَّرُ بِهَذَا الْعَدَدِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي حَيَاتِهِ. ضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ فَكُلُّ عُضْوٍ فِي الصَّلَاةِ يَأْخُذُ حَقَّهُ وَحَظَّهُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَهَذِهِ الصَّلَاةُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ صِلَةٌ
بِاللَّهِ. وَالْمُؤْمِنُ الْمُحِبُّ لِرَبِّهِ يَجِدُ فِي قَلْبِهِ الشَّوْقَ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ. وَلِهَذَا كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ. فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ إِذَا أَذَّنَ الْفَجْرُ وَثَبَ إِلَى الصَّلَاةِ." قَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ الرَّاوِي عَنْهَا قَالَتْ: "وَثَبَ، وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ قَامَ." يَعْنِي وَثَبَ إِلَى الصَّلَاةِ شَوْقًا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لِلصَّلَاةِ.
يَقُولُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَا دَخَلَ عَلَيَّ وَقْتُ صَلَاةٍ قَطُّ إِلَّا وَأَنَا مُشْتَاقٌ إِلَيْهَا."
وَاللَّهُ تَعَالَى فَتَحَ لَنَا بَابَ لِقَائِهِ. بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: "مَنْ مِثْلُكَ يَا ابْنَ آدَمَ؟ خُلِّيَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمِحْرَابِ وَالْمَاءِ. مَتَى مَا شِئْتَ تَطَهَّرْتَ وَدَخَلْتَ عَلَى رَبِّكَ. لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تَرْجُمَانٌ." يَعْنِي مَتَى مَشَى الْإِنْسَانُ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ، يَقُومُ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي. وَإِذَا بِهِ يَقِفُ أَمَامَ اللَّهِ وَيُنَاجِي رَبَّهُ وَاللَّهُ يُنَاجِيهِ. فَالْبَابُ مَفْتُوحٌ لَكَ. فَأَيُّ كَرَامَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْكَرَامَةِ؟ وَلِهَذَا الْمُسْلِمُ أَوَّلَ مَا يَسْمَعُ الْأَذَانَ مِنْ كَمَالِ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى هُنَا أَنْ تَتْرُكَ كُلَّ شَيْءٍ. هُنَا تُحَقِّقُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ." لَا مَحْبُوبَ، لَا شُغْلَ، لَا هَمَّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا اللَّهُ. فَالْآنَ عِنْدَكَ أَعْظَمُ شُغْلٍ هَذِهِ الصَّلَاةُ. فَتَتْرُكُ كُلَّ شَيْءٍ. وَلِهَذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّادًا يَطْرُقُ الْحَدِيدَ بِالْمِطْرَقَةِ. فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ وَطَرَقَ يَعْنِي طَرْقَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ وَسَمِعَ الْأَذَانَ لَا يَطْرُقُ طَرْقَةً أُخْرَى. يَعْنِي كَأَنَّ يَدَهُ تُشَلُّ وَيَضَعُ الْمِطْرَقَةَ وَمُبَاشَرَةً يَذْهَبُ إِلَى الصَّلَاةِ.
وَتَأَمَّلْ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ كَيْفَ أَنَّهَا كُلَّهَا تَوْحِيدٌ وَتَكْبِيرٌ وَتَعْظِيمٌ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا. تَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِتَكْبِيرِ: "اللَّهُ أَكْبَرُ." اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ، مِنْ كُلِّ شُغْلٍ فِي الدُّنْيَا، مِنْ كُلِّ مَحْبُوبٍ، مِنْ كُلِّ هَمٍّ، مِنْ كُلِّ مُشْكِلَةٍ. فَلَا يَخْطُرُ فِي بَالِكَ إِلَّا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا. "اللَّهُ أَكْبَرُ." وَتَأَمَّلْ كَيْفَ تَرْفَعُ يَدَيْكَ. هَذِهِ هَيْئَةُ الْمُسْتَسْلِمِ، كَمَا أَنَّ الشُّرْطَةَ إِذَا قَبَضُوا عَلَى اللِّصِّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ اسْتِسْلَامًا. هَكَذَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ دُخُولَ الْعَبْدِ الْمُسْتَسْلِمِ عَلَى رَبِّهِ. وَيُكَبِّرُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ." يَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ذُلًّا بَيْنَ يَدَيْ عَزِيزٍ، وَيَنْظُرُ إِلَى مَحَلِّ سُجُودِهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَيُنَاجِي رَبَّهُ بِأَعْظَمِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى رَبِّهِ وَأَحَبِّ الْكَلِمَاتِ وَأَعْظَمِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِسُورَةِ الْفَاتِحَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وَكُلَّمَا قَالَ كَلِمَةً أَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "إِذَا قُلْتَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي. إِذَا قُلْتَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي."
وَهَكَذَا فَتُلَاحِظُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ كَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ وَالْمُنَاجَاةِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ." وَالْمُنَاجَاةُ هِيَ كَلَامُ الْقَرِيبِ لِلْقَرِيبِ بِخِلَافِ النِّدَاءِ، نِدَاءِ الْبَعِيدِ.
فَأَنْتَ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ. وَهَكَذَا تَأَمَّلْ كَيْفَ أَنَّ الصَّلَاةَ كُلَّهَا تَكْبِيرٌ لِلَّهِ تَعَالَى. إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ رُكْنٍ إِلَى رُكْنٍ تُكَبِّرُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ." قَامَتْ عَلَى التَّكْبِيرِ. وَتَرْكَعُ لِلَّهِ، تَحْنِي ظَهْرَكَ. هَذَا الْعَمُودُ الْفَقَرِيُّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ جِسْمُكَ يَنْحَنِي تَعْظِيمًا لِلَّهِ. فَتَقُولُ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ." فِي رُكُوعِكَ وَتَقُولُ: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ
أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي."
انْظُرْ هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى. هَذِهِ أَذْكَارٌ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ." "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ."
وَتَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ تَخِرُّ سَاجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى، تَضَعُ أَشْرَفَ أَعْضَائِكَ عَلَى الْأَرْضِ تَذَلُّلًا لِلَّهِ وَتَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ." لِأَنَّ هَذَا السُّجُودَ هُوَ أَعْظَمُ مَظَاهِرِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الصَّلَاةِ: "كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ." وَالْعَبْدُ إِنَّمَا يَقْتَرِبُ مِنْ رَبِّهِ بِقَدْرِ عِبَادَتِهِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا، بِحَسَبِ مَا يَكُونُ فِي قَلْبِكَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَالْخُشُوعِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْمَحَبَّةِ لِلَّهِ، وَبِحَسَبِ مَا يَقُومُ بِجَوَارِحِكَ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ. هَكَذَا يَقْتَرِبُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْكَ وَتَكُونُ قَرِيبًا مِنْهُ. "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ لِرَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ." فَيَشْعُرُ الْمُسْلِمُ بِشُعُورِ الْأُنْسِ بِاللَّهِ مَعَ الشُّعُورِ بِعُلُوِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى." وَهَكَذَا الصَّلَاةُ فِي غَايَةِ يَعْنِي هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ صُورَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ صُوَرِ التَّوْحِيدِ وَالتَّقَرُّبِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ وَالشَّوْقِ لِلِقَائِهِ وَمَحَبَّتِهِ. وَتُخْتَتَمُ بِالتَّسْلِيمِ. افْتُتِحَتْ بِتَكْبِيرِ اللَّهِ وَاخْتُتِمَتْ بِالسَّلَامِ لِعِبَادِ اللَّهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ." تَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُسَلِّمَ الْعِبَادَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَمِنَ الشُّرُورِ وَالْمَصَائِبِ. فِي يَعْنِي تَأَمَّلْ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ مَا أَعْظَمَهَا وَمَا أَجْمَلَهَا! وَثُمَّ كَذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الزَّكَاةُ. وَالزَّكَاةُ أَوَّلُ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى أَذْهَانِنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا التَّكَافُلُ الِاجْتِمَاعِيُّ وَسَدُّ حَاجَاتِ النَّاسِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الزَّكَاةِ وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ.
فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا تَكُونُ مِنْ قَلْبٍ رَحِيمٍ امْتَلَأَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ. فَأَيْضًا هَذَا مِنْ آثَارِ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى. فَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ." وَالْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةٌ لِلَّهِ يَظْهَرُ هَذَا فِي تَعَامُلِهِ مَعَ النَّاسِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ." فَالْمُسْلِمُ يُحِبُّ الْمُسْلِمِينَ وَيَرْجُو لَهُمُ الْخَيْرَ فَيُسَاعِدُهُمْ بِمَالِهِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ، يُزَكِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيُنْفِقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، يَسُدُّ جُوعَ الْمُحْتَاجِينَ وَيَقْضِي دَيْنَ الْمَدِينِينَ، وَيَنْفَعُ النَّاسَ بِمَالِهِ وَجَاهِهِ وَكَلِمَتِهِ الطَّيِّبَةِ، وَيُبَادِرُ إِلَى نَفْعِ النَّاسِ بِهَذَا تَزْكُو نَفْسُكَ. وَمِنْ أَبْرَزِ مَقَاصِدِ الزَّكَاةِ تَحْقِيقُ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ لِلَّهِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ." الْمَالُ مِنْ أَعْظَمِ الْعَوَائِقِ فِي تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ. مَا الَّذِي صَرَفَ النَّاسَ عَنِ الْإِقْبَالِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْقِيَامِ بِالدِّينِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَنَصْرِ دِينِ اللَّهِ إِلَّا حُبُّ الْمَالِ وَالدُّنْيَا. فَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخْشَى
أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ."
هَذَا الَّذِي شَغَلَ النَّاسَ الْيَوْمَ. مَا يَقْنَعُ الْإِنْسَانُ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى. إِذَا حَصَّلَ مِلْيُونًا يُرِيدُ مِلْيُونَيْنِ وَيُرِيدُ أَنْ يُنَمِّيَ مَالَهُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ. مَا يَقْنَعُ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَرُبَّمَا يَكُونُ قَدْ خَزَنَ هَذَا الْمَالَ عِنْدَهُ فِي أَرْصِدَتِهِ فِي الْبَنْكِ وَمَا يُنْفِقُ وَمَا يَتَصَدَّقُ وَرُبَّمَا مَا يُزَكِّي وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. فَمَاذَا يَسْتَفِيدُ مِنْ مَالِهِ؟ فَيَكُونُ قَلْبُهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِالْمَالِ تَعَلُّقًا شَدِيدًا وَيَعِيشُ حَيَاتَهُ يَلْهَثُ لِجَمْعِ الْمَالِ.
فَهَذَا كَيْفَ يُحَقِّقُ عُبُودِيَّةَ اللَّهِ؟ قَلْبٌ تَعَبَّدَ لِلْمَالِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ." هَذَا قَلْبُهُ مَا تَعَبَّدَ لِلَّهِ. وَلِذَلِكَ تَجِدُهُ يُفَكِّرُ فِي الْمَالِ، يُفَكِّرُ فِي الدُّنْيَا وَمَا يَتْبَعُ الْمَالَ مِنْ شَهَوَاتٍ وَمَلَذَّاتٍ لِأَنَّهُ مَا زَكَّى نَفْسَهُ بِإِخْرَاجِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ مِنْ قَلْبِهِ. فَالزَّكَاةُ تَأْتِي تُزَكِّي نَفْسَكَ تُطَهِّرُ نَفْسَكَ. وَلِهَذَا مَا يَذُوقُ حَلَاوَةَ التَّوْحِيدِ إِلَّا مَنْ زَكَّى مَالَهُ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ." قَالَ: "مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ." هَذَا التَّوْحِيدُ الْعَمَلِيُّ. "وَعَلِمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ." هَذَا التَّوْحِيدُ الْعِلْمِيُّ. "وَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ." نَتَأَمَّلُ كَيْفَ قُرِنَ مَعَ التَّوْحِيدِ الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ. مَا قَالَ: "صَلَّى" أَوْ "فَعَلَ كَذَا وَكَذَا." قَالَ: "أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ." لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَدْخُلُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَكُلُّ الْعِبَادَاتِ تَدْخُلُ. لَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ هُنَا تَأَمَّلْ كَيْفَ نَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا تُخْرِجُ حُبَّ الْمَالِ مِنَ الْقَلْبِ فَيَتَعَلَّقُ الْقَلْبُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا.
فَهَذَا مَقْصِدٌ عَظِيمٌ لِلزَّكَاةِ وَلِلْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ." بُرْهَانٌ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِ الْعَبْدِ. ذَلِكَ تُسَمَّى صَدَقَةً لِأَنَّهَا تُصَدِّقُ إِيمَانَكَ. وَلِهَذَا مِنْ أَسْرَارِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَنَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ سُورَةُ إِيمَانٍ وَاسْتِسْلَامٍ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا آيَاتٍ كَثِيرَةً فِي الْحَثِّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالصَّدَقَةِ. لِأَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ هِيَ بُرْهَانُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ.
ثُمَّ تَأَمَّلْ يَأْتِي الصِّيَامُ وَيَزِيدُكَ تَجَرُّدًا لِلَّهِ. الزَّكَاةُ تُجَرِّدُكَ مِنْ حُبِّ الْمَالِ. يَأْتِي الصِّيَامُ يُجَرِّدُكَ مِنَ الشَّهَوَاتِ كُلِّهَا حَتَّى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ الَّذِي تَقْتَاتُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِكَ حَتَّى زَوْجَتِكَ وَشَهْوَتِكَ. كُلُّ هَذَا تَتْرُكُهُ لِلَّهِ. فَالصِّيَامُ مِنْ أَبْلَغِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تُجَرِّدُ الْعَبْدَ لِرَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا وَتَجْعَلُ قَلْبَكَ خَالِصًا لِلَّهِ. وَلِهَذَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ فِي الصِّيَامِ قَالَ: "يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي." مِنْ أَجْلِي مَحَبَّةً لِلَّهِ. مِنْ طَبْعِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ مَا يُحِبُّ إِلَّا لِمَحْبُوبٍ أَعْظَمَ. فَأَنْتَ لَمَّا تَتْرُكُ تَعَوَّدَ نَفْسَكَ عَلَى تَرْكِ الْمَحْبُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا، تَتْرُكُ الْمُبَاحَاتِ، تَتْرُكُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالْمَاءَ الْبَارِدَ وَالطَّعَامَ اللَّذِيذَ شَهْوَةً مُحَبَّبَةً لِلنُّفُوسِ، سَأَتْرُكُهَا طِيلَةَ نَهَارِكَ لِأَجْلِ رَبِّكَ جَلَّ وَعَلَا مَحَبَّةً لِلَّهِ. فَهَذَا يُرَسِّخُ حُبَّ اللَّهِ فِي قَلْبِكَ. وَهَكَذَا كُلَّمَا أَكْثَرْتَ مِنَ الصِّيَامِ تَزْدَادُ تَجَرُّدًا وَتَوْحِيدًا وَإِخْلَاصًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَلِهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أُدْخِلْنِي الْجَنَّةَ." قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ." لَا مِثْلَ لَهُ يَعْنِي فِي تَجْرِيدِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا وَفِي عَظَمَتِهِ. وَلِهَذَا أَتَأَمَّلُ كَيْفَ أَضَافَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَجَعَلَهُ سِرًّا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ. قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي." قَالَ الْعُلَمَاءُ: "فَإِنَّهُ لِي" مِنْ مَعَانِي قَوْلِهِ: "فَإِنَّهُ لِي" يَعْنِي الصَّوْمَ مَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُدْخِلَهُ الرِّيَاءُ فِي ذَاتِهِ. بِذَاتِهِ مَا يُتَصَوَّرُ يُدْخِلُهَا الرِّيَاءُ. كَيْفَ؟ يَعْنِي سَائِرُ الْعِبَادَاتِ إِذَا قُمْتَ تَتَعَبَّدُ لِلَّهِ النَّاسُ يَرَوْنَكَ. يَعْنِي مَثَلًا إِنْسَانٌ قَامَ يُصَلِّي لِلَّهِ لَكِنْ يَرَاهُ النَّاسُ يَقُولُ فُلَانٌ صَلَّى. مُمْكِنٌ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الرِّيَاءُ. فُلَانٌ يَحُجُّ، فُلَانٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. لَكِنَّ الصَّوْمَ تَرْكٌ. أَنْتَ تَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَنْتَ صَائِمٌ مَا أَحَدٌ يَشْعُرُ بِكَ. إِذًا الصَّوْمُ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْخِلَهُ الرِّيَاءُ. أَنْ يُدْخِلَهُ الرِّيَاءُ بِالْفِعْلِ. وَإِنَّمَا مُمْكِنٌ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الرِّيَاءُ بِالْقَوْلِ إِذَا قُلْتَ: "تَرَى أَنَا الْيَوْمَ صَائِمٌ." نَعَمْ كَأَنَّكَ تُرَائِي بِعَمَلِكَ. لَكِنْ فِي ذَاتِهِ هُوَ لِلَّهِ. فَلِذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الْمَعَانِي: "فَإِنَّهُ لِي" يَعْنِي سِرٌّ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي. مَا يَعْرِفُ أَحَدٌ أَنَّكَ صَائِمٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ. لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مُمْكِنٌ أَنْ يَخْتَفِيَ عَنِ النَّاسِ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيَظْهَرَ أَمَامَ النَّاسِ أَنَّهُ صَائِمٌ. لَكِنْ مَا أَحَدٌ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ حَالِكَ إِلَّا اللَّهُ. فَأَنْتَ لَمَّا تَصُومُ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَتْرُكُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَتَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَرَاكَ. وَلِذَلِكَ مَا تَأْكُلُ وَمَا تَشْرَبُ. هَذَا يُنَمِّي مُرَاقَبَةَ اللَّهِ فِي قَلْبِكَ.
إِذًا تَأَمَّلْ كَيْفَ أَنَّ الصَّوْمَ بِالْفِعْلِ يَعْنِي يُجَرِّدُ الْعَبْدَ لِلَّهِ وَيُعَلِّقُ قَلْبَهُ لِلَّهِ وَيَزِيدُ مُرَاقَبَتَهُ لِلَّهِ وَمَحَبَّةً لِلَّهِ. فَلِذَلِكَ يَعْنِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الصِّيَامِ خَاصَّةً الَّذِي يُرِيدُ حَقًّا أَنْ يُحَقِّقَ تَوْحِيدَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. تَوْحِيدٌ لَيْسَ بِالتَّمَنِّي أَوْ بِالْكَلَامِ: "أَنَا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَأَنَا لَا أَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ وَأَنَا..." مُمْكِنٌ يَكُونُ قَلْبُكَ مُعَلَّقًا بِالدُّنْيَا وَمُعَبَّدًا لِلشَّهَوَاتِ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ. فَإِذَا أَرَدْتَ حَقًّا أَنْ تَذُوقَ حَلَاوَةَ التَّوْحِيدِ عَلَيْكَ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ، عَلَيْكَ بِالصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ. وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالْأَئِمَّةُ أَهْلَ عِبَادَةٍ وَوَرَعٍ وَتَقْوَى. يَعْنِي تَتَعَجَّبُ مِنْ عِبَادَتِهِمْ. يَعْنِي كُنْتُ أَقْرَأُ الْيَوْمَ فِي مِحْنَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَيَعْنِي كَانَ وَهُوَ يُجْلَدُ وَهُوَ فِي السِّجْنِ يَصُومُ وَلَا يُفْطِرُ طِيلَةَ هَذِهِ الْأَيَّامِ. وَسُبْحَانَ اللَّهِ يَعْنِي عِبَادَةٌ يَعْلَمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ هِيَ الَّتِي تُنْجِيهِ، هِيَ الَّتِي تُثَبِّتُهُ. وَحَتَّى يَعْنِي قِيلَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ وَصَل يَعْنِي سَرَدَ الصِّيَامِ مَا كَانَ يُفْطِرُ أَبَدًا. وَكَانَ وِرْدُهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ 300 رَكْعَةٍ. وَهَذَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: "كَانَ أَبِي يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ 300 رَكْعَةٍ." قَالَ: "فَلَمَّا يَعْنِي خَرَجَ مِنَ الْمِحْنَةِ بَعْدَ الْجَلْدِ وَالتَّعْذِيبِ وَالسِّجْنِ ضَعُفَ جَسَدُهُ فَكَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ 150 رَكْعَةٍ." يَعْنِي هَذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ أُوذِيَ. تَخَيَّلُوا صَلِّ 150 رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ. هَذَا مَحَبَّةٌ لِلَّهِ وَإِقْبَالٌ عَلَى اللَّهِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ يَعْنِي خَتْمَتَيْنِ فِي الْأُسْبُوعِ. يَعْنِي عَلَى هَذِهِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ خَتْمَةٌ لَكِنْ يَقْرَأُ وَاحِدَةً فِي النَّهَارِ وَوَاحِدَةً فِي اللَّيْلِ. سُبْحَانَ اللَّهِ! هَذَا أَهْلُ الْعِبَادَةِ، هَؤُلَاءِ أَهْلُ التَّوْحِيدِ، هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ.
ثُمَّ تَأْتِي مَعَنَا عِبَادَةُ الْحَجِّ. وَالْحَجُّ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَأَمَّا الْحَجُّ فَشَأْنٌ آخَرُ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْحُنَفَاءُ الَّذِينَ ضَرَبُوا فِي الْمَحَبَّةِ بِسَهْمٍ. وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الْعِبَارَةُ. وَهُوَ خُلَاصَةُ هَذَا الدِّينِ الْحَنِيفِ وَسِرُّ قَوْلِ الْعَبْدِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ." مَا أَجْمَلَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنَ ابْنِ الْقَيِّمِ! يَقُولُ: "الْحَجُّ هُوَ سِرُّ قَوْلِ الْعَبْدِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ." وَهُوَ سَارَّةُ الْمَحْبُوبِ لِأَحْبَابِهِ وَدَعْوَتُهُمْ لِزِيَارَةِ بَيْتِهِ وَيَعْنِي دَارَ كَرَامَتِهِ. فَإِذَا خَرَجَ الْحَاجُّ مِنْ بَيْتِهِ مَا يَمْلِكُ يَعْنِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَفَسَهُ التَّلْبِيَةَ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ." إِجَابَةُ مُحِبٍّ لِدَعْوَةِ حَبِيبِهِ. هَذَا يَعْنِي مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ. حَقًّا الْحَجُّ يَعْنِي مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ التَّوْحِيدِ وَالشَّوْقِ لِلِقَاءِ اللَّهِ. لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعِبَادَةِ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمُسْلِمُ كُلُّ مُسْلِمٍ، كُلُّ مُؤْمِنٍ يَتَعَبَّدُ لِلَّهِ وَيُصَلِّي وَيُنَاجِي رَبَّهُ، يَكُونُ فِي قَلْبِهِ شَوْقٌ لِلِقَاءِ اللَّهِ. يَقُولُ: "مَتَى أَرَى رَبِّي؟"
هَذِهِ أَعْظَمُ أُمْنِيَةٍ لِلْمُسْلِمِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ: "يُرِيدُونَ وَجْهَهُ." وَنَعْلَمُ أَنَّ فِي الدُّنْيَا لَا يُمْكِنُ أَنْ نَرَى رَبَّنَا فِي الدُّنْيَا لِعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ. الْجَبَلُ انْدَكَّ مِنْ نُورِهِ سُبْحَانَهُ جَلَّ وَعَلَا لَمَّا تَجَلَّى الرَّبُّ لِلْجَبَلِ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا. لَكِنْ فِي الْجَنَّةِ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ." اللَّهُ تَعَالَى مِنْ لُطْفِهِ أَنَّهُ يَمُنُّ عَلَى عِبَادِهِ بِهَذَا النَّعِيمِ. لَكِنْ تَأَمَّلْ مَعَ ذَلِكَ اللَّهُ تَعَالَى جَبَرَ خَوَاطِرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ بَيْتًا هُوَ بَيْتُهُ الْحَرَامُ. تُرِيدُ تَزُورَ اللَّهَ وَتَلْقَى اللَّهَ؟ قَالَ لَكَ هُنَاكَ بَيْتٌ فِي الْأَرْضِ هُوَ بَيْتُهُ. "وَمَنْ زَارَ فَكَأَنَّمَا زَارَ اللَّهَ." وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ فِقْهِ عُمَرَ الْعَمِيقِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى الْكَعْبَةَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ." أَقُولُ فِي نَفْسِي كَأَنَّهُ يَتَذَكَّرُ رُؤْيَةَ اللَّهِ بِرُؤْيَةِ بَيْتِ اللَّهِ. يَتَذَكَّرُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: "تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ." فَيُسَلِّمُ عَلَى اللَّهِ. يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ." لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ. مَا يُمْكِنُ أَنْ نُسَلِّمَ عَلَى اللَّهِ. وَإِنَّمَا يَقُولُ: "يُحَيِّي رَبَّهُ." فَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ." فَالْحَجُّ تَأَمَّلْ كَيْفَ يَظْهَرُ فِيهِ التَّوْحِيدُ بِأَنْ يَخْرُجَ الْحَاجُّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. تَتْرُكُ بَلَدَكَ وَأَهْلَكَ وَوَلَدَكَ وَزَوْجَتَكَ وَوَظِيفَتَكَ وَتِجَارَتَكَ وَمَالَكَ، بَلْ تَنْخَلِعُ مِنْ ثِيَابِكَ وَتَلْبَسُ لِبَاسَ الذُّلِّ، لِبَاسَ الْمَوْتَى. وَتُسَافِرُ إِلَى رَبِّكَ إِلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ. سُبْحَانَ اللَّهِ حَقًّا صُورَةٌ عَمَلِيَّةٌ لِلِإِذَا التَّرْكِ. وَبِهَذَا السَّفَرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
هُنَاكَ تَجِدُ الْأُنْسَ وَالْقُرْبَ مِنَ اللَّهِ لَمَّا تَطُوفُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ. تَسْتَشْعِرُ أَنَّ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ، هَذَا بَيْتُ مَحْبُوبِي وَمَعْبُودِي. وَأَنَا الْآنَ أَتَذَلَّلُ وَأَطُوفُ حَوْلَ بَيْتِهِ، طَوَافَ الْعَبْدِ الْمُحِبِّ الْمُشْتَاقِ لِسَيِّدِهِ وَمَعْبُودِهِ. فَتَدُورُ حَوْلَ بَيْتِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بَعْدَ مَرَّةٍ، طَوَافَ الْعَبْدِ الذَّلِيلِ، طَوَافَ الْعَبْدِ الْمُحِبِّ لِرَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَتَأَمَّلْ كَيْفَ تَقِفُ بِعَرَفَةَ أَعْظَمَ مَوْقِفِ الْحَجِّ، عَرَفَةَ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ عَرَفَةَ كَأَنَّهَا عَتَبَةُ الْبَابِ. يَأْتِي الْوَافِدُونَ عَلَى اللَّهِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ عَتَبَةِ الْبَابِ الْبَابِ لِأَنَّ عَرَفَةَ خَارِجُ حُدُودِ الْحَرَمِ، فَهِيَ كَأَنَّهَا عَتَبَةُ الْبَابِ. تَطْرُقُ بَابَ الْمَلِكِ فِي أَعْظَمِ صُوَرِ التَّذَلُّلِ لِلَّهِ فِي الْحَجِّ. تَخَيَّلْ فَقِيرًا جَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَلِكِ وَطَرَقَ الْبَابَ. يَطْرُقُ يَطْرُقُ الْبَابَ مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَيَطْرُقُ بَابَ الْمَلِكِ. هَذِهِ حَقِيقَةُ عَرَفَةَ. لِذَلِكَ اللَّهُ تَعَالَى يَرْحَمُ عِبَادَهُ وَيَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ. وَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ. يَقُولُ: "عِبَادِي جَاؤُونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي. فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ كَعَدَدِ الرَّمْلِ، كَعَدَدِ الرَّمْلِ أَوْ كَقَطْرِ الْمَطَرِ أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرْتُهَا لَكُمْ. أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ." وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: "مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟" انْظُرْ إِلَى التَّذَلُّلِ فِي عَرَفَةَ. وَلِهَذَا يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ قَبْلِي: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ."
وَعَرَفَةُ بِالْمُنَاسَبَةِ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي ذَرَأَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ذُرِّيَّةَ آدَمَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ لَمَّا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟" قَالُوا: "بَلَى." جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا كَانَ
بِنُعْمَانَ، وَنُعْمَانُ يَعْنِي عَرَفَةَ. كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ فِي نَفْسِ هَذَا الْمَكَانِ يُجَدِّدُونَ مِيثَاقَ التَّوْحِيدِ، وَيُنَاجُونَ رَبَّهُمْ وَيَدْعُونَهُ بِأَحَبِّ الْكَلِمَاتِ إِلَيْهِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ."
وَهَكَذَا بَعْدَ ذَلِكَ يُؤْذَنُ لَكَ بِدُخُولِ حَرَمِ اللَّهِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ. تَزْدَلِفُ تَقْتَرِبُ وَتَسْتَرِيحُ ثُمَّ تَدْعُوهُ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ تَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ الْعِيدِ وَتُزِيلُ الْعَائِقَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ." لِأَنَّكَ تَنْتَصِرُ عَلَى عَدُوِّكَ بِتَكْبِيرِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ. ثُمَّ يَعْنِي تَنْحَرُ الْهَدْيَ.
وَالنَّحْرُ أَيْضًا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مِنْ كَمَالِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَتَقْدِيمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَلَى مَا تُحِبُّ كَمَا قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَلَى مَحَبَّةِ وَلَدِهِ فَعَزَمَ عَلَى ذَبْحِهِ. وَتُحَلِّقُ رَأْسَكَ تَذَلُّلًا لِلَّهِ ثُمَّ "لِيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ." وَالْمَقْصُودُ فِي النِّهَايَةِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، طَوَافُ الْإِفَاضَةِ. فَهَذَا الْحَجُّ وَشِعَارُ الْحَجِّ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ." قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ كُلِّ تَوْحِيدٍ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ." هَذِهِ أَرْكَانُ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ. فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ دِينٍ! نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُحْيِيَنَا عَلَى الْإِسْلَامِ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُكْمِلَ إِيمَانَنَا وَإِسْلَامَنَا لِرَبِّنَا جَلَّ وَعَلَا. نَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يُخْلِصَ قُلُوبَنَا لِلَّهِ وَأَنْ يَزِيدَنَا إِيمَانًا وَتَوْحِيدًا وَيَقِينًا بِرَبِّنَا جَلَّ وَعَلَا. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

Posting Komentar