بَابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ 
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالِي: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (سُورَةُ الْأَنْعَامِ آيَةُ: ٨٢)
-﴿يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ: يَخْلِطُوا تَوْحِيدَهُمْ.
-بِظُلْمٍ: أَيْ بِشَرَكٍ، وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ
-سُمِّيَ الشِّرْكُ ظُلْمًا لِأَنَّهُ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَصُرِفَ لَهَا لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا.
-فَضْلُ التَّوْحِيدِ وَثَمَرَتُهُ أَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ الْمَخَاوِفِ وَالْمَكَارِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُمْ مُهْتَدُونَ لِلسَّيْرِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فِي الدُّنْيَا
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوْحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ (أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ)
-شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ عَارِفًا لِمَعْنَاهَا عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
-لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ
-وَكَلِمَتُهُ: أَيْ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِكَلِمَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: (كُنْ).
-أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ: أَرْسَلَ بِهَا جِبْرِيلَ إِلَيْهَا فَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوْحِهِ الْمَخْلُوقَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالِي.
-عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَهُوَ قَوْلُهُ كُنْ فَكَانَ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ الْكَلِمَةَ صَارَ عِيسَى وَلَكِنْ بِالْكَلِمَةِ صَارَ عِيسَى (دَقَائِقُ التَّفْسِيرِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ)
-وَرُوْحٌ: أَيْ أَنَّ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- رُوْحٌ مِنْ الْأَرْوَاحِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
-عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ: يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا وَلَهُ ذُنُوبٌ؛ لِأَنَّ الْمُوَحِّدَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ. الثَّانِي: أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَتَكُونُ مَنْزِلَتُهُ فِيهَا عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ.
-أَنَّ التَّوْحِيْدَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ
-مَعْرِفَةُ فَضْلِ الْإِيمَانِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
وَلَهُمَا فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ- : «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله»(أخرجه الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ) .
-يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ: أَيْ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْهَا نِفَاقًا.
-مِنْ فَضْلِ التَّوْحِيدِ أَنَّهُ يُوجِبُ لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ النَّجَاةَ مِنْ النَّارِ وَتَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: قَالَ مُوسى: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شيئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا، قَالَ: يَا مُوسى لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي، وَالأَرَضينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. (رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ)
-بَيَانُ فَضْلِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ يُعَادِلُهَا فِي الْفَضِيلَةِ
-كَوْنُ الْأَنْبِيَاءِ يَحْتَاجُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَي فَضْلِ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
-وَعَامِرُهُنَّ غَيْرِي، أَرَادَ بِالْعَامِرِ: السَّاكِنِ. وَعَامِرُ الْمَكَانِ: مَنْ عَمِلَ عِمَارَةً وَصَلَاحَ ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ إِمَّا بِالسُّكُونِ فِيهِ، أَوْ بِإِصْلَاحِهِ (الْمَفَاتِيحُ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ، لِلزَّيْدَانِيِّ).
-أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَبْتَدِعَ فِيهَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ مُوسَى طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا يَذْكُرُهُ بِهِ.
-أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الذِّكْرِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ التَّلَفُّظِ بِهَا كُلِّهَا، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ (اللَّه)
وللتِّرمذيِّ وحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ-: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شيئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (رَوَاهَ التِّرْمِذِيُّ)
-قُرَابٌ: وَهُوَ مِلْؤُهَا أَوْ مَا يُقَارِبُ مَلْأَهَا.
-قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَتْبَانَ:« فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ » أَنَّهُ تَرْكَُ الشِّرْكِ، لَيْسَ قَوْلُهَا بِاللِّسَانِ.
-كَثْرَةُ ثَوَابِ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ مَهْمَا كَثُرَتْ

Post a Comment

Lebih baru Lebih lama