بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ
قال الله تعالى : ﴿وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا﴾ [الشمس ١]
-أقسم الله بالشمس، وأقسم بوقت ارتفاعها بعد طلوعها من مشرقها.
-سُورَةِ الشَّمْسِ فيها أَطْوَل قَسَمٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا لِلتَّأَمُّلِ وَالتَّفَكُّرِ فِي الْكَوْنِ
-مِنْ أَبْرَزِ مَقَاصِدِهَا الْحَثُّ عَلَى تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَذَلِكَ بِالتَّفَكُّرِ فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
-يُقْسِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالشَّمْسِ، والشَّمْسُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ، بَلْ هِيَ أَصْلُ الْحَيَاةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
-النَّبَاتُ يُكَوِّنُ غِذَاءَهُ عَنْ طَرِيقِ الْبِنَاءِ الضَّوْئِيِّ لَا بُدَّ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ.
-وَالنَّبَاتُ هُوَ أَصْلُ الْقُوتِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. فَالنَّبَاتُ يَقْتَاتُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَالْحَيَوَانُ، ثُمَّ الْإِنْسَانُ أَيْضًا يَقْتَاتُ عَلَى الْحَيَوَانِ. فَرَجَعَ الْأَمْرُ كُلُّهُ فِي إِعْدَادِ هَذَا النَّبَاتِ أَوْ فِي خَلْقِ هَذَا النَّبَاتِ. وَالنَّبَاتُ مُعْتَمِدٌ فِي تَكْوِينِهِ عَلَى الشَّمْسِ.
-يُقْسِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِوَقْتِ الضُّحَى. لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ هُوَ أَنْفَعُ مَا يَكُونُ لِلنَّاسِ فِي وَقْتِ الضُّحَى، يَكُونُ الْإِضَاءَةُ مَوْجُودَةً وَالْحَرَارَةُ مُعْتَدِلَةً، فَيَخْرُجُونَ لِمَعَايِشِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ.
قال الله تعالى : ﴿وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ [الشمس ٢]
-ثُمَّ أَقْسَمَ بِمَا يُقَابِلُهَا، الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، يُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى مَنَازِلَ لِنَعْلَمَ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ.
-إِذَا تَلَىٰهَا : يَعْنِي إِذَا تَبِعَ الشَّمْسَ وَتَلَى الشَّمْسَ.
-وَذَلِكَ التِّلَاوَةُ تُسَمَّى تِلَاوَةً لِأَنَّ الَّذِي يَتْلُو يَلْفِظُ حَرْفًا بَعْدَ حَرْفٍ أَوْ كَلِمَةً بَعْدَ كَلِمَةٍ يُتْبِعُ كَلِمَةً بَعْدَ كَلِمَةٍ، تُسَمَّى تِلَاوَةً يَكُونُ فِيهَا اتِّبَاعٌ. أَيْضًا قِرَاءَةٌ مَعَ اتِّبَاعِ مَا يَقْرَأُ.
-وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى دِقَّةِ النِّظَامِ الْكَوْنِيِّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
-فَتَغِيبُ الشَّمْسُ ثُمَّ يَأْتِي اللَّيْلُ وَيَطْلُعُ الْقَمَرُ وَهَكَذَا فِي مَدَارَاتٍ وَأَزْمِنَةٍ مُتَنَاسِقَةٍ تَدُلُّ عَلَى حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي صُنْعِهِ.
قال الله تعالى : ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا﴾ [الشمس ٣]
-إِذَا جَلَّىٰهَا : يَعْنِي جَلَّى الشَّمْسَ أي وَضَّحَهَا. الشَّيْءُ الْمُتَجَلِّي يَعْنِي الْوَاضِحَ الْمُنْكَشِفَ.
-الْقُرْآنُ يَقُولُ لَنَا أنَّ النَّهَارَ هُوَ الَّذِي يُوَضِّحُ لَنَا الشَّمْسَ، هُوَ الَّذِي يَجْلِي لَنَا الشَّمْسَ.
وَقَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ مَقْلُوبًا فِي أَذْهَانِنَا. نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ الشَّمْسَ هِيَ الَّتِي تُوَضِّحُ النَّهَارَ وَتَأْتِي بِالنَّهَارِ، لَيْسَ الْعَكْسَ. كَأَنَّ الْقُرْآنَ يَعْكِسُ الْقَضِيَّةَ تَمَامًا
-وَهَذَا آية مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالسَّلَفُ جَرَوْا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا. فَالنَّهَارُ هُوَ الَّذِي يُوَضِّحُ لَنَا الشَّمْسَ.
-وَالنَّهَارُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا النَّهَارُ، كَيْفِيَّتُهُ. وَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
-مَا اكْتُشِفَ عِلْمِيًّا الْيَوْمَ، يَقُولُونَ: إِنَّ الْغِلَافَ الْجَوِّيَّ فِيهِ خَاصِّيَّةُ تَشْتِيتِ الضَّوْءِ. إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَشُعَاعُ الشَّمْسِ لَمَّا يَمُرُّ بِطَبَقَاتِ الْغِلَافِ الْجَوِّيِّ، هَذِهِ الطَّبَقَاتُ مِنْ خَاصِّيَّتِهَا أَنَّهَا تَنْشُرُ هَذَا الضَّوْءَ وَتُقَوِّيهِ وَتُشَتِّتُهُ.
- إِذَا خَرَجَ الَّذِي يَطْلُعُ إِلَى الْفَضَاءِ مِنَ الْغِلَافِ الْجَوِّيِّ، يَنْظُرُ الشَّمْسَ كَأَنَّهَا نَجْمٌ مِنَ النُّجُومِ الْبَعِيدَةِ. لَكِنْ إِذَا رَأَى الشَّمْسَ مِنْ خِلَالِ طَبَقَةِ الْغِلَافِ الْجَوِّيِّ، مِنْ خِلَالِ النَّهَارِ، يَرَاهَا – يَعْنِي – بِهَذَا الْوُضُوحِ.
-وَ ”جَلّاها“ قِيلَ: الضَّمِيرُ فِيهِ راجِعٌ لِلشَّمْسِ كَما في الَّذِي قَبْلَهُ، ولَكِنِ اخْتارَ ابْنُ كَثِيرٍ أنْ يَكُونَ راجِعًا لِلْأرْضِ، أيْ: كَشَفَها وأوْضَحَ كُلَّ ما فِيها؛ لِيَتَيَسَّرَ طَلَبُ المَعاشِ والسَّعْيِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧] .(أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي)
-قَدْ أقْسَمَ تَعالى بِالنَّهارِ إذا تَجَلّى: أيْ: ظَهَرَ ووَضَحَ بِدُونِ ضَمِيرٍ إلى غَيْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ١ - ٢]، أيْ: في مُقابَلَةِ غِشاوَةِ اللَّيْلِ يَكُونُ بِتَجَلِّي النَّهارِ.(أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي)
-وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى عِظَمَ آيَةِ النَّهارِ، وعِظَمَ آيَةِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِهِما إلّا اللَّهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٢] .
قال الله تعالى : ﴿وَٱلَّیۡلِ إِذَا یَغۡشَىٰهَا﴾ [الشمس ٤]
-أَنَّ آيَةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ وَنِعْمَتَانِ جَلِيلَتَانِ. اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمُ ٱلَّیۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِضِیَاۤءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ﴾ [القصص ٧١]
-تَخَيَّلْ لَوْ أَنَّ اللَّيْلَ يَبْقَى وَمَا فِي نَهَارٍ، مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ؟ أَفَلَا تَسْمَعُونَ؟
-تَخَيَّلْ لَوْ كُلُّ نَهَارٍ، كُلُّ شَمْسٍ وَضِيَاءٍ، مَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَرْتَاحَ وَيَسْكُنَ. اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِلَیۡلࣲ تَسۡكُنُونَ فِیهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [القصص ٧٢]
-قال الله تعالى : ﴿وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُوا۟ فِیهِ وَلِتَبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [القصص ٧٣]، لِتَسْكُنُوا فِيهِ – يَعْنِي فِي اللَّيْلِ – وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ – يَعْنِي فِي النَّهَارِ –
قال الله تعالى : ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ [الشمس ٩]
-نَحْنُ فِي سُورَةٍ تَحُثُّ عَلَى تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْقَسَمِ الطَّوِيلِ كُلِّهِ: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا).
-وَإِذًا بِالسُّورَةِ تُسَمَّى سُورَةَ الشَّمْسِ، وَيُقْسِمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ آيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ عَلَى الشَّمْسِ
-فَهَذَا كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، أَنَّ هَذَا مِنَ بَابِ الْإِشَارَةِ. يَعْنِي كَأَنَّ الشَّمْسَ رَمْزٌ لِزَكَاةِ النُّفُوسِ، وَأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَكُونُ نَفْسُهُ زَكِيَّةً بِالْإِيمَانِ وَبِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَوْ كُشِفَ عَنْ حَقِيقَةِ إِيمَانِهِ، لَكَانَ إِيمَانُهُ ضَوْءَهُ مِثْلَ ضَوْءِ الشَّمْسِ الْمُشِعِّ الْمُنِيرِ.
-وَكَذَلِكَ الْقَمَرُ - يَعْنِي - هَذَا الضَّوْءُ الْخَافِتُ (الْخَافِي) فِي اللَّيْلِ الَّذِي يُضِيءُ الظُّلُمَاتِ. وَهَكَذَا الْمُسْلِمُ - يَعْنِي - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَالِمِ: قَالَ: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ."
-فَالْقَمَرُ يُضِيءُ فِي اللَّيْلِ فِي الظُّلُمَاتِ. وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ يَنْشُرُ الْخَيْرَ وَالنُّورَ فِي ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ وَالشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ.

إرسال تعليق