بِاسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَانْتَهَيْنَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ اللَّيْلِ: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى".
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى". الْإِنْسَانُ إِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ يُحَاوِلُ أَن يَخْرُجَ مِنْ هَذَا الضِّيقِ بِدَفْعِ فِدْيَةٍ، بِدَفْعِ مَالٍ. فَهَذَا الَّذِي بَخِلَ بِمَالِهِ، هَلْ يَنْفَعُهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا تَرَدَّى فِي النَّارِ؟ وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ الْعُسْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: "فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى". يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى". مَا يَنْفَعُهُ مَالُهُ وَمَا يَدْفَعُ عَنْهُ مَالُهُ شَيْئًا مِنَ الْعَذَابِ إِذَا تَرَدَّى، يَعْنِي إِذَا سَقَطَ وَهَلَكَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
هَلْ لَهُ حُجَّةٌ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى". اللَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ لِلنَّاسِ طَرِيقَ الْهُدَى. "إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى" يَعْنِي عَلَيْنَا بَيَانُ طَرِيقِ الْهُدَى. إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، فَالْإِنْسَانُ لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ أَمَامَ اللَّهِ تَعَالَى. اللَّهُ تَعَالَى أَعْطَاكَ عَقْلًا، أَعْطَاكَ فِطْرَةً سَلِيمَةً، بَيَّنَ لَكَ طَرِيقَ الْهُدَى مِن طَرِيقِ الرَّدَى، أَرْسَلَ الرُّسُلَ، أَنْزَلَ الْكُتُبَ. فَمَا لَكَ حُجَّةٌ، حُجَّةٌ أَمَامَ اللَّهِ تَعَالَى. طَيِّبٌ تَقُولُ: إِذًا لِمَاذَا الْإِنْسَانُ يَخْتَارُ طَرِيقَ الشَّقَاءِ؟ إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ خُلِقَ عَلَى فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ وَعِنْدَهُ عَقْلٌ وَطَرِيقُ الْهُدَى وَاضِحٌ، لِمَاذَا مَا يَخْتَارُ طَرِيقَ الْهُدَى؟ لِمَاذَا أَكْثَرُ النَّاسِ يَضِلُّونَ عَنْ هَذَا الطَّرِيقِ؟ "وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ". تَأَمَّلْ كَيْفَ الْقُرْآنُ يُعَلِّقُ الْقُلُوبَ بِمَشِيئَةِ الله بِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى تَفْتَقِرَ إِلَى اللَّهِ. يَقُولُ: "وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى". الْأَمْرُ لِلَّهِ، الْمُلْكُ لِلَّهِ، لَنْ يَخْرُجَ أَحَدٌ عَنْ مُلْكِ اللَّهِ وَمَشِيئَةِ اللَّهِ. "وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى" يَعْنِي الدُّنْيَا، فَلَا أَحَدَ يَخْرُجُ عَنْ مُلْكِ اللَّهِ وَمَشِيئَةِ اللَّهِ. فَهَذَا يَجْعَلُ الْعَبْدَ يَفْتَقِرُ إِلَى اللَّهِ فِي سُؤَالِ الْهِدَايَةِ.
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: "إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى" يَجْعَلُكَ تَحْرِصُ عَلَى طَرِيقِ الْهُدَى وَتَخْتَارُ طَرِيقَ الْهُدَى وَتُسَارِعُ إِلَى طَرِيقِ الْهُدَى لِأَنَّ عِنْدَكَ مَشِيئَةً وَعِنْدَكَ اخْتِيَارٌ وَحُرِّيَّةٌ وَاللَّهُ بَيَّنَ لَكَ هَذَا الطَّرِيقَ. ثُمَّ لَمَّا تَقْرَأُ: "وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى" تَشْعُرُ فِي نَفْسِكَ أَنَّكَ لَا حَوْلَ لَكَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، الْمُلْكُ لِلَّهِ. فَهَذِهِ الْآيَةُ عُبُودِيَّتُهَا أَن تَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَتَسْتَعِينَ بِاللَّهِ، وَهَذَا هُوَ جِمَاعُ الدِّينِ: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ". "وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى". وَكَذَلِكَ مَن يَسْلُكُ طَرِيقَ الْهُدَى فَلَهُ الْجَزَاءُ الْحَسَنُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى. "وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى".
فَلَمَّا أَقَامَ اللَّهُ تَعَالَى الْحُجَّةَ عَلَى عِبَادِهِ، يُبَيِّنُ لَهُمْ طَرِيقَ الْهُدَى وَأَنْذَرَهُمْ، يُقْبِلُ الْآنَ عَلَى إِنْذَارِهِمْ مِنَ الْعَاقِبَةِ الرَّدِيَّةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. قَالَ: "فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى". نَارًا تَلَظَّى يَعْنِي تَتَلَظَّى، تَتَوَهَّجُ. وَاللَّظَى هُوَ اللَّهَبُ الْخَالِصُ. فَهَذَا أَشَدُّ فِي حَرَارَتِهَا وَعَذَابِهَا. قَالَ: "فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى".
وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ صَلَّى ذَاتَ يَوْمٍ فَقَرَأَ سُورَةَ اللَّيْلِ. فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: "فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى" بَكَى وَمَا اسْتَطَاعَ أَن يُكْمِلَ. فَأَعَادَ السُّورَةَ مِن أَوَّلِهَا. فَلَمَّا بَلَغَ الْآيَةَ بَكَى، وَهَكَذَا أَعَادَهَا مَرَّةً ثَالِثَةً، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى سُورَةٍ أُخْرَى، مَا اسْتَطَاعَ أَن يَقْرَأَهَا. مَنِ الَّذِي يَقُولُ: "فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى"؟ رَبُّ الْعَالَمِينَ جَلَّ جَلَالُهُ. هَذَا مِن رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ. اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا تَحْتَ هَذَا الِاخْتِبَارِ وَالِابْتِلَاءِ. وَالْأَمْرُ عَظِيمٌ. الْمَصِيرُ خَطِيرٌ جِدًّا: إِمَّا فِي الْجَنَّةِ وَإِمَّا فِي النَّارِ. إِذًا سَارِعْ إِلَى إِنْقَاذِ نَفْسِكَ. "فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى. لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى. الَّذِي كَذَّبَ بِقَلْبِهِ بِهِ وَتَوَلَّى بِجَوَارِحِهِ، تَوَلَّى لَمْ يَعْمَلِ الصَّالِحَاتِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَانْتَهَيْنَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ اللَّيْلِ: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى".
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى". الْإِنْسَانُ إِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ يُحَاوِلُ أَن يَخْرُجَ مِنْ هَذَا الضِّيقِ بِدَفْعِ فِدْيَةٍ، بِدَفْعِ مَالٍ. فَهَذَا الَّذِي بَخِلَ بِمَالِهِ، هَلْ يَنْفَعُهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا تَرَدَّى فِي النَّارِ؟ وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ الْعُسْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: "فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى". يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى". مَا يَنْفَعُهُ مَالُهُ وَمَا يَدْفَعُ عَنْهُ مَالُهُ شَيْئًا مِنَ الْعَذَابِ إِذَا تَرَدَّى، يَعْنِي إِذَا سَقَطَ وَهَلَكَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
هَلْ لَهُ حُجَّةٌ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى". اللَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ لِلنَّاسِ طَرِيقَ الْهُدَى. "إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى" يَعْنِي عَلَيْنَا بَيَانُ طَرِيقِ الْهُدَى. إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، فَالْإِنْسَانُ لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ أَمَامَ اللَّهِ تَعَالَى. اللَّهُ تَعَالَى أَعْطَاكَ عَقْلًا، أَعْطَاكَ فِطْرَةً سَلِيمَةً، بَيَّنَ لَكَ طَرِيقَ الْهُدَى مِن طَرِيقِ الرَّدَى، أَرْسَلَ الرُّسُلَ، أَنْزَلَ الْكُتُبَ. فَمَا لَكَ حُجَّةٌ، حُجَّةٌ أَمَامَ اللَّهِ تَعَالَى. طَيِّبٌ تَقُولُ: إِذًا لِمَاذَا الْإِنْسَانُ يَخْتَارُ طَرِيقَ الشَّقَاءِ؟ إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ خُلِقَ عَلَى فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ وَعِنْدَهُ عَقْلٌ وَطَرِيقُ الْهُدَى وَاضِحٌ، لِمَاذَا مَا يَخْتَارُ طَرِيقَ الْهُدَى؟ لِمَاذَا أَكْثَرُ النَّاسِ يَضِلُّونَ عَنْ هَذَا الطَّرِيقِ؟ "وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ". تَأَمَّلْ كَيْفَ الْقُرْآنُ يُعَلِّقُ الْقُلُوبَ بِمَشِيئَةِ الله بِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى تَفْتَقِرَ إِلَى اللَّهِ. يَقُولُ: "وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى". الْأَمْرُ لِلَّهِ، الْمُلْكُ لِلَّهِ، لَنْ يَخْرُجَ أَحَدٌ عَنْ مُلْكِ اللَّهِ وَمَشِيئَةِ اللَّهِ. "وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى" يَعْنِي الدُّنْيَا، فَلَا أَحَدَ يَخْرُجُ عَنْ مُلْكِ اللَّهِ وَمَشِيئَةِ اللَّهِ. فَهَذَا يَجْعَلُ الْعَبْدَ يَفْتَقِرُ إِلَى اللَّهِ فِي سُؤَالِ الْهِدَايَةِ.
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: "إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى" يَجْعَلُكَ تَحْرِصُ عَلَى طَرِيقِ الْهُدَى وَتَخْتَارُ طَرِيقَ الْهُدَى وَتُسَارِعُ إِلَى طَرِيقِ الْهُدَى لِأَنَّ عِنْدَكَ مَشِيئَةً وَعِنْدَكَ اخْتِيَارٌ وَحُرِّيَّةٌ وَاللَّهُ بَيَّنَ لَكَ هَذَا الطَّرِيقَ. ثُمَّ لَمَّا تَقْرَأُ: "وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى" تَشْعُرُ فِي نَفْسِكَ أَنَّكَ لَا حَوْلَ لَكَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، الْمُلْكُ لِلَّهِ. فَهَذِهِ الْآيَةُ عُبُودِيَّتُهَا أَن تَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَتَسْتَعِينَ بِاللَّهِ، وَهَذَا هُوَ جِمَاعُ الدِّينِ: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ". "وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى". وَكَذَلِكَ مَن يَسْلُكُ طَرِيقَ الْهُدَى فَلَهُ الْجَزَاءُ الْحَسَنُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى. "وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى".
فَلَمَّا أَقَامَ اللَّهُ تَعَالَى الْحُجَّةَ عَلَى عِبَادِهِ، يُبَيِّنُ لَهُمْ طَرِيقَ الْهُدَى وَأَنْذَرَهُمْ، يُقْبِلُ الْآنَ عَلَى إِنْذَارِهِمْ مِنَ الْعَاقِبَةِ الرَّدِيَّةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. قَالَ: "فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى". نَارًا تَلَظَّى يَعْنِي تَتَلَظَّى، تَتَوَهَّجُ. وَاللَّظَى هُوَ اللَّهَبُ الْخَالِصُ. فَهَذَا أَشَدُّ فِي حَرَارَتِهَا وَعَذَابِهَا. قَالَ: "فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى".
وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ صَلَّى ذَاتَ يَوْمٍ فَقَرَأَ سُورَةَ اللَّيْلِ. فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: "فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى" بَكَى وَمَا اسْتَطَاعَ أَن يُكْمِلَ. فَأَعَادَ السُّورَةَ مِن أَوَّلِهَا. فَلَمَّا بَلَغَ الْآيَةَ بَكَى، وَهَكَذَا أَعَادَهَا مَرَّةً ثَالِثَةً، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى سُورَةٍ أُخْرَى، مَا اسْتَطَاعَ أَن يَقْرَأَهَا. مَنِ الَّذِي يَقُولُ: "فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى"؟ رَبُّ الْعَالَمِينَ جَلَّ جَلَالُهُ. هَذَا مِن رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ. اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا تَحْتَ هَذَا الِاخْتِبَارِ وَالِابْتِلَاءِ. وَالْأَمْرُ عَظِيمٌ. الْمَصِيرُ خَطِيرٌ جِدًّا: إِمَّا فِي الْجَنَّةِ وَإِمَّا فِي النَّارِ. إِذًا سَارِعْ إِلَى إِنْقَاذِ نَفْسِكَ. "فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى. لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى. الَّذِي كَذَّبَ بِقَلْبِهِ بِهِ وَتَوَلَّى بِجَوَارِحِهِ، تَوَلَّى لَمْ يَعْمَلِ الصَّالِحَاتِ.
وَفِي الْمُقَابِلِ: "وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى". وَسَيُجَنَّبُهَا، يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ النَّارِ فِي جَانِبٍ وَهِيَ فِي جَانِبٍ بَعِيدٍ، لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا فِي الْجَنَّةِ. "وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى". حَقَّقَ تَقْوَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَتَأَمَّلْ كَيْفَ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مِن خِصَالِ التَّقْوَى وَقَوْلُهُ تَعَالَى: "الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى". وَهَذَا يَتَنَاسَبُ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى". أَعْطَى مَالَهُ، أَعْطَى جُهْدَهُ، أَعْطَى نَفْسَهُ كَمَا عَرَفْنَا فِي الْمَعْنَى الْعَامِّ لِهَذِهِ الْآيَةِ. لَكِنْ أَوَّلَ مَا يَتَبَادَرُ لِلذِّهْنِ أَنَّهُ يُعْطِي مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: "الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ". مَا يُعْطِي مَالَهُ رِيَاءً وَافْتِخَارًا، لَا. مَاذَا يُرِيدُ بِالصَّدَقَةِ بِالزَّكَاةِ؟ يُرِيدُ أَن يُزَكِّيَ نَفْسَهُ. وَلِهَذَا قَالَ: "وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى". يُؤْتِي مَالَهُ حَتَّى يُزَكِّيَ نَفْسَهُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالْمَالِ وَالدُّنْيَا، يُزَكِّيَ نَفْسَهُ مِنَ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ، يُزَكِّيَ مَالَهُ مِنَ الْحَرَامِ. وَبِذَلِكَ يَنْمُو إِيمَانُهُ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلَاثٌ مَن فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ الْإِيمَانَ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَعَلِمَ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ". تُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَالصَّدَقَةَ عَن طِيبِ نَفْسٍ، تُرِيدُ أَن تُزَكِّيَ نَفْسَكَ. فَهَذِهِ عَلَامَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى صِدْقِ الْعَبْدِ وَإِيمَانِهِ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ". بُرْهَانٌ عَلَى إِيمَانِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِالْمَالِ فَيُرِيدُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَأَمْوَالُهَا وَمَتَاعُهَا.
قَالَ: "الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى". ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَالَ إِخْلَاصِهِ وَإِحْسَانِهِ فَقَالَ: "وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى. إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى". يَعْنِي هَذَا الْمُنْفِقُ الْمُحْسِنُ، مَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ عِنْدَ هَذَا الْمُحْسِنِ مِن نِّعْمَةٍ مِن شَأْنِهَا أَن تُكَافَأَ أَن تُجْزَى. يَعْنِي هَذَا الْإِنْسَانُ تَجَاوَزَ مَرْحَلَةَ الْمُكَافَأَةِ. يَعْنِي إِذَا أَحْسَنَ إِلَيْكَ بَعْضُ النَّاسِ، فَمِنَ السُّنَّةِ بَل مِنَ الْمَعْرُوفِ أَن تُكَافِئَهُ عَلَى إِحْسَانِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَن صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ". لِمَاذَا "فَكَافِئُوهُ"؟ هَذَا مِن بَابِ شُكْرِ الْمَعْرُوفِ، رَدِّ الْجَمِيلِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الطَّيِّبَةِ. وَهَذَا فِي تَشْجِيعٍ لِلنَّاسِ عَلَى الْخَيْرِ. لَكِنْ أَيْضًا مِنَ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْمُكَافَأَةِ حَتَّى تَدْفَعَ عَن نَّفْسِكَ الْمِنَّةَ لِفُلَانٍ عَلَيْكَ، لِأَنَّ كَمَا يُقَالُ: "أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمْ". هَذَا الْإِنْسَانُ الَّذِي يُحْسِنُ إِلَيْكَ دَائِمًا تَكُونُ لَهُ مِنَّةٌ عَلَيْكَ. فَإِذَا عَامَلْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ لَا تُعَامِلُ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا تُعَامِلُهُ لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ صَاحِبُ مَعْرُوفٍ عَلَيْكَ. مُمْكِنٌ مَثَلًا إِذَا مَرَرْتَ عَلَى شَخْصَيْنِ تُسَلِّمُ عَلَى فُلَانٍ الَّذِي يُحْسِنُ إِلَيْكَ وَفُلَانٌ الْآخَرُ رُبَّمَا مَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذَا يُحْسِنُ إِلَيَّ. فَتَكُونُ أَعْمَالُكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُصَانَعَةِ. يَعْنِي تُصَانِعُ فُلَانًا. مَا تَكُونُ خَالِصَةً مِئَةَ بِالْمِئَةِ. وَإِن كَانَ مَطْلُوبٌ أَنَّكَ يَعْنِي مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ أَن تَرُدَّ إِلَيْهِ الْجَمِيلَ، أَن تُعَامِلَهُ بِالْأَحْسَنِ. لَكِنْ تَأَمَّلْ مَا يَكُونُ الْعَمَلُ وَالتَّعَامُلُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ مِئَةَ بِالْمِئَةِ. طَيِّبٌ كَيْفَ يَدْفَعُ الْإِنْسَانُ عَنْهُ هَذِهِ الْمِنَّةَ؟ تَجَاوَزَ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ، مَرْحَلَةَ الْمُكَافَأَةِ، فَيُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ وَيَرُدُّ الْجَمِيلَ وَيُكَافِئُ مَن يُحْسِنُ إِلَيْهِ. فَمَا تَبْقَى لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ مِنَّةٌ. وَبِذَلِكَ تَتَمَحَّضُ مُعَامَلَاتُهُ وَأَعْمَالُهُ لِلَّهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "وَمَا لِأَحَدٍ" يَعْنِي مِنَ النَّاسِ "عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى". لِأَنَّهُ كَانَ يُكَافِئُ بَل كَانَ يُحْسِنُ. فَمَا أَحَدٌ لَهُ مِنَّةٌ عَلَى هَذَا الْإِنْسَانِ يَسْتَحِقُّ أَن يَعْنِي تُجَازَى هَذِهِ النِّعْمَةَ وَأَن تُكَافَأَ.
قَالَ: "الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى". ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَالَ إِخْلَاصِهِ وَإِحْسَانِهِ فَقَالَ: "وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى. إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى". يَعْنِي هَذَا الْمُنْفِقُ الْمُحْسِنُ، مَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ عِنْدَ هَذَا الْمُحْسِنِ مِن نِّعْمَةٍ مِن شَأْنِهَا أَن تُكَافَأَ أَن تُجْزَى. يَعْنِي هَذَا الْإِنْسَانُ تَجَاوَزَ مَرْحَلَةَ الْمُكَافَأَةِ. يَعْنِي إِذَا أَحْسَنَ إِلَيْكَ بَعْضُ النَّاسِ، فَمِنَ السُّنَّةِ بَل مِنَ الْمَعْرُوفِ أَن تُكَافِئَهُ عَلَى إِحْسَانِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَن صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ". لِمَاذَا "فَكَافِئُوهُ"؟ هَذَا مِن بَابِ شُكْرِ الْمَعْرُوفِ، رَدِّ الْجَمِيلِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الطَّيِّبَةِ. وَهَذَا فِي تَشْجِيعٍ لِلنَّاسِ عَلَى الْخَيْرِ. لَكِنْ أَيْضًا مِنَ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْمُكَافَأَةِ حَتَّى تَدْفَعَ عَن نَّفْسِكَ الْمِنَّةَ لِفُلَانٍ عَلَيْكَ، لِأَنَّ كَمَا يُقَالُ: "أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمْ". هَذَا الْإِنْسَانُ الَّذِي يُحْسِنُ إِلَيْكَ دَائِمًا تَكُونُ لَهُ مِنَّةٌ عَلَيْكَ. فَإِذَا عَامَلْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ لَا تُعَامِلُ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا تُعَامِلُهُ لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ صَاحِبُ مَعْرُوفٍ عَلَيْكَ. مُمْكِنٌ مَثَلًا إِذَا مَرَرْتَ عَلَى شَخْصَيْنِ تُسَلِّمُ عَلَى فُلَانٍ الَّذِي يُحْسِنُ إِلَيْكَ وَفُلَانٌ الْآخَرُ رُبَّمَا مَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذَا يُحْسِنُ إِلَيَّ. فَتَكُونُ أَعْمَالُكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُصَانَعَةِ. يَعْنِي تُصَانِعُ فُلَانًا. مَا تَكُونُ خَالِصَةً مِئَةَ بِالْمِئَةِ. وَإِن كَانَ مَطْلُوبٌ أَنَّكَ يَعْنِي مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ أَن تَرُدَّ إِلَيْهِ الْجَمِيلَ، أَن تُعَامِلَهُ بِالْأَحْسَنِ. لَكِنْ تَأَمَّلْ مَا يَكُونُ الْعَمَلُ وَالتَّعَامُلُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ مِئَةَ بِالْمِئَةِ. طَيِّبٌ كَيْفَ يَدْفَعُ الْإِنْسَانُ عَنْهُ هَذِهِ الْمِنَّةَ؟ تَجَاوَزَ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ، مَرْحَلَةَ الْمُكَافَأَةِ، فَيُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ وَيَرُدُّ الْجَمِيلَ وَيُكَافِئُ مَن يُحْسِنُ إِلَيْهِ. فَمَا تَبْقَى لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ مِنَّةٌ. وَبِذَلِكَ تَتَمَحَّضُ مُعَامَلَاتُهُ وَأَعْمَالُهُ لِلَّهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "وَمَا لِأَحَدٍ" يَعْنِي مِنَ النَّاسِ "عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى". لِأَنَّهُ كَانَ يُكَافِئُ بَل كَانَ يُحْسِنُ. فَمَا أَحَدٌ لَهُ مِنَّةٌ عَلَى هَذَا الْإِنْسَانِ يَسْتَحِقُّ أَن يَعْنِي تُجَازَى هَذِهِ النِّعْمَةَ وَأَن تُكَافَأَ.
وَلِذَلِكَ تَمَحَّضَتْ مُعَامَلَاتُهُ لِلَّهِ. فَقَالَ: "إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى". إِذًا مَا يُرِيدُ مِن إِحْسَانٍ مِن تَعَامُلٍ مَعَ النَّاسِ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِن كَانَتْ عَامَّةً لِكُلِّ مَن يَتَّصِلُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لَكِنْ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. لِأَنَّهُ كَانَ يُعْتِقُ الْعَبِيدَ لِوَجْهِ اللَّهِ، مَا يُرِيدُ جَزَاءً مِنْهُمْ أَو أَن يُعَاوِنُوهُ أَو أَن يُحْسِنُوا إِلَيْهِ. وَكَانَ يُنْفِقُ أَمْوَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ حَتَّى بَلَغَ إِحْسَانُهُ إِلَى سَادَاتِ الْقَبَائِلِ. كَمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا حَصَلَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا جَاءَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَهُوَ مِن ثَقِيفٍ، مِن سَادَاتِ ثَقِيفٍ، وَكَانَ مِنَ الْمُفَاوِضِينَ الَّذِينَ فَاوَضُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ. فَـ عُرْوَةُ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَن يُسْلِمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. لَمَّا كَانَ يُفَاوِضُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ مَعَهُ وَاحْتَدَمَ الْأَمْرُ حَتَّى كَادَ أَن يَصِلَ إِلَى الْقِتَالِ. فَرَمَى عُرْوَةُ كَلِمَةً فِيهَا سَبٌّ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. يَعْنِي قَالَ: مَا أَرَى حَوْلَكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا أَوُبَاشًا، حَرِيٌّ أَن يَتْرُكُوكَ الْقِتَالَ لَمَّا يَأْتِي الْجِدُّ. هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَعَكَ يَتْرُكُونَكَ أَوُبَاشًا. فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ لِلَّهِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ بِكَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ. لَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ. لِأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ كَلِمَةً لَا تَلِيقُ بِالصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. كَلِمَةً تَقْرَؤُونَهَا فِي السِّيرَةِ مَا تُقَالُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَجَالِسِ. فَـ عُرْوَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَن يُسْلِمَ مَا اسْتَطَاعَ أَن يُجِيبَ أَبَا بَكْرٍ. لِمَاذَا؟ قَالَ: "لَوْلَا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ". يَعْنِي أَنْتَ صَاحِبُ مَعْرُوفٍ عَلَيَّ. شُفْ مَعَ أَنَّهُ سَيِّدٌ مِن سَادَاتِ ثَقِيفٍ. قَالَ: "لَوْلَا يَدٌ يَعْنِي نِعْمَةٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ". لَكِنْ مَا أَسْتَطِيعُ أَن أُجِيبَكَ لِأَنَّكَ أَسَرْتَنِي بِإِحْسَانِكَ. فَهَكَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي عَلَى الْإِنْسَانِ أَن يُكَافِئَ مَن يُحْسِنُ إِلَيْهِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَإِن لَّمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ أَو مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ".
إِذًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى". لَا يُرِيدُ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ. وَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ: "وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى". هَكَذَا الْمُسْلِمُ فِي عِبَادَتِهِ، فِي صَلَاتِهِ، فِي ذِكْرِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ. يَشْتَاقُ لِلَّذَّةِ النَّظَرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. يَشْتَاقُ لِلِّقَاءِ اللَّهِ. فَهَذَا مَا يَكُونُ إِلَّا عَن مَحَبَّةٍ فِي الْقَلْبِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَهَذَا الَّذِي يَجْعَلُ عِبَادَتَكَ مُتْعَةً وَلَذَّةً.
ثُمَّ قَالَ: "وَلَسَوْفَ يَرْضَى". تَأَمَّلْ فِي جَزَاءِ الْمُخْلِصِ الْمُحْسِنِ. وَهَذَا مِن بَابِ الْجَزَاءِ مِن جِنْسِ الْعَمَلِ. كَمَا كَانَ لَا يُرِيدُ مِن هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا رِضْوَانَ اللَّهِ، مَا يُرِيدُ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ. فَكَذَلِكَ جَازَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالرِّضَا. وَالرِّضَا هُوَ سِرُّ السَّعَادَةِ. هُوَ أَعْلَى نَعِيمٍ. "وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ". انْظُرْ حَتَّى فِي الدُّنْيَا إِلَى غَنِيٍّ لَكِنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ، وَإِلَى فَقِيرٍ قَنُوعٍ رَاضٍ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ. تَجِدُ أَنَّ الْفَقِيرَ يَعِيشُ فِي سَعَادَةٍ أَعْظَمَ مِنَ السَّعَادَةِ الَّتِي يَعِيشُهَا الْغَنِيُّ بِسَبَبِ الرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ. لِذَلِكَ اللَّهُ تَعَالَى كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ أَنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِالرِّضَا: "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ". نَعَمْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَكَذَلِكَ هُنَا قَالَ: "وَلَسَوْفَ يَرْضَى". وَهَذَا يَعْنِي أَحْسَنُ جَزَاءٍ وَأَعْظَمُ جَزَاءٍ، يُرْضِيهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يُلْهِمَنَا الرِّضَا، الرِّضَا بِاللَّهِ وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يَغْفِرَ لَنَا وَيَرْحَمَنَا. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا وَنُورَ صُدُورِنَا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
إِذًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى". لَا يُرِيدُ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ. وَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ: "وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى". هَكَذَا الْمُسْلِمُ فِي عِبَادَتِهِ، فِي صَلَاتِهِ، فِي ذِكْرِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ. يَشْتَاقُ لِلَّذَّةِ النَّظَرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. يَشْتَاقُ لِلِّقَاءِ اللَّهِ. فَهَذَا مَا يَكُونُ إِلَّا عَن مَحَبَّةٍ فِي الْقَلْبِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَهَذَا الَّذِي يَجْعَلُ عِبَادَتَكَ مُتْعَةً وَلَذَّةً.
ثُمَّ قَالَ: "وَلَسَوْفَ يَرْضَى". تَأَمَّلْ فِي جَزَاءِ الْمُخْلِصِ الْمُحْسِنِ. وَهَذَا مِن بَابِ الْجَزَاءِ مِن جِنْسِ الْعَمَلِ. كَمَا كَانَ لَا يُرِيدُ مِن هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا رِضْوَانَ اللَّهِ، مَا يُرِيدُ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ. فَكَذَلِكَ جَازَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالرِّضَا. وَالرِّضَا هُوَ سِرُّ السَّعَادَةِ. هُوَ أَعْلَى نَعِيمٍ. "وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ". انْظُرْ حَتَّى فِي الدُّنْيَا إِلَى غَنِيٍّ لَكِنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ، وَإِلَى فَقِيرٍ قَنُوعٍ رَاضٍ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ. تَجِدُ أَنَّ الْفَقِيرَ يَعِيشُ فِي سَعَادَةٍ أَعْظَمَ مِنَ السَّعَادَةِ الَّتِي يَعِيشُهَا الْغَنِيُّ بِسَبَبِ الرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ. لِذَلِكَ اللَّهُ تَعَالَى كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ أَنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِالرِّضَا: "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ". نَعَمْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَكَذَلِكَ هُنَا قَالَ: "وَلَسَوْفَ يَرْضَى". وَهَذَا يَعْنِي أَحْسَنُ جَزَاءٍ وَأَعْظَمُ جَزَاءٍ، يُرْضِيهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يُلْهِمَنَا الرِّضَا، الرِّضَا بِاللَّهِ وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يَغْفِرَ لَنَا وَيَرْحَمَنَا. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَن يَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا وَنُورَ صُدُورِنَا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

إرسال تعليق