شرح كتاب التوحيد - في المدينة - (عام 1426-1427هـ)
الشيخ عبدالرزاق البدر
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ بَابُ مَنْ الشِّرْكِ الِاسْتِعَاذَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَىٰ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بَابُ مَنْ الشِّرْكِ الِاسْتِعَاذَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ. وَالِاسْتِعَاذَةُ عِبَادَةٌ. الِاسْتِعَاذَةُ عِبَادَةٌ وَالِاسْتِعَاذَةُ هِيَ طَلَبُ الْعَوْذِ الْتِجَاءٌ وَاعْتِصَامٌ وَهَٰذَا الِالْتِجَاءُ وَالِاعْتِصَامُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ أَزِمَّةُ الْأُمُورِ. مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَتَأَمَّلْ فِي هَٰذَا الْمَعْنَىٰ قَوْلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَا غُلَامُ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ. يَا غُلَامُ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَىٰ أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَنْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَىٰ أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَنْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ.
فَالْأُمُورُ كُلُّهَا بِيَدِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. فَكَيْفَ يَلْجَأُ إِلَىٰ غَيْرِهِ وَكَيْفَ يُسْتَعَاذُ بِغَيْرِهِ؟ وَغَيْرُهُ أَيًّا كَانَ لَيْسَ بِيَدِهِ عَطَاءٌ وَلَا مَنْعٌ وَلَا خَفْضٌ وَلَا رَفْعٌ وَلَا شِفَاءٌ وَلَا غَيْرُ ذَٰلِكَ. الْأَمْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ. الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ مِنْ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ هُوَ هُوَ مَالِكُ الْمُلْكِ هُوَ الْمُدَبِّرُ لِهَٰذَا الْكَوْنِ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي هَٰذَا كَوْنٍ فَكَيْفَ يُسْتَعَاذُ بِغَيْرِهِ؟ وَكَيْفَ يُلْتَجَأُ إِلَىٰ غَيْرِهِ؟ فَالِاسْتِعَاذَةُ عِبَادَةٌ وَلَا يُسْتَعَاذُ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ. وَلِهَٰذَا جَاءَتْ الْآيَاتُ الْكَثِيرَةُ فِي الْقُرْآنِ بِالْأَمْرِ بِالتَّعَوُّذِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ فِي كُلِّ الْمَقَامَاتِ فِي كُلِّ الْمَقَامَاتِ يُسْتَعَاذُ بِهِ جَلَّ وَعَلَا لَا بِغَيْرِهِ.
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَالْآيَاتُ فِي هَٰذَا الْمَعْنَىٰ كَثِيرَةٌ جِدًّا فَلَا يُسْتَعَاذُ إِلَّا بِاللَّهِ وَنَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي دَعَوَاتِهِ لَا يَسْتَعِيذُ إِلَّا بِاللَّهِ، وَجَاءَ عَنْهُ فِي هَٰذَا الْبَابِ أَدْعِيَةٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا اسْتِعَاذَةٌ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَبِكَ مِنْكَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي فَأَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ. وَمِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ. وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ قَهْرِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ. جَاءَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَعَوُّذَاتٌ كَثِيرَةٌ.
الْإِمَامُ النَّسَائِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ السُّنَنِ عَقَدَ كِتَابًا بِعُنْوَانِ الِاسْتِعَاذَةِ وَجَمَعَ فِيهِ اسْتِعَاذَاتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَسَاقَ عَشَرَاتِ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلُّهَا تَعَوُّذَاتٌ بِاللَّهِ كُلُّهَا تَعَوُّذَاتٌ بِاللَّهِ. كُلُّهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ بِاللَّهِ. وَهَٰذِهِ كُلُّهَا دَلَائِلُ وَاضِحَةٌ وَبَرَاهِينُ بَيِّنَةٌ على أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ الَّتِي هِيَ طَلَبُ الْعَوْذِ عِبَادَةٌ. لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ. وَلِهَٰذَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَطْلُبْهَا إِلَّا مِنْ اللَّهِ. وَوَجَّهَ الْأُمَّةَ لِذَٰلِكَ. دَعَاهُمْ إِلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ في الِاسْتِعَاذَةَ، كَمَا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ.
فَالِاسْتِعَاذَةُ عِبَادَةٌ لَا تُصْرَفُ إِلَّا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ. وَمَنْ اسْتَعَاذَ بِغَيْرِ اللَّهِ وُكِلَ إِلَىٰ مَنْ اسْتَعَاذَ بِهِ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ فَمَنْ كَانَ تَعَوُّذُهُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ يُوْكَلُ إِلَىٰ مَنْ تعوذ بِهِ فَلَا يَزْدَادُ إِلَّا شَقَاءً وَهَلَاكًا وَدَمَارًا وَضَيَاعًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا فِي قَوْلِهِ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا. هَٰذِهِ النَّتِيجَةُ الَّتِي يُحَصُِّلُهَا وَ يَنَالُهَا مَنْ اسْتَعَاذَ بِغَيْرِ اللَّهِ. مَنْ اسْتَعَاذَ بِغَيْرِ اللَّهِ.
فَمَنْ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ أَعَاذَهُ وَمَنْ اسْتَعَاذَ بِغَيْرِهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَىٰ ذَٰلِكَ الْغَيْرِ. فَيَكُونُ أَمْرُهُ إِلَىٰ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ كَيْفَ يَسْتَعِيذُ الْإِنْسَانُ كَيْفَ يَسْتَعِيذُ بِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ؟ لَا حَوْلَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ. لَيْسَ بِيَدِهِ عطاء وَلَا مَنْعٌ وَلَا خَفْضٌ وَلَا رَفْعٌ. كَيْفَ يَسْتَعِيذُ بِأَمْثَالِ هَٰذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ؟ كَمَا قِيلَ اسْتِغَاثَةُ الْمَخْلُوقِ بِالْمَخْلُوقِ فِي اسْتِغَاثَةِ الْغَرِيقِ بِالْغَرِيقِ مَا لَيْسَ بِيَدِهِ شَيْءٌ. الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ وَحْدَهُ الَّذِي يُسْتَعَاذُ بِهِ.
وَيُلْتَجَأُ إِلَيْهِ وَ وَيُفَرُّ إِلَيْهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ كَمَا قَالَ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا. سَاقَهُ اللَّهُ سَاقَهُ اللَّهُ ذَٰلِكَ، لِبَيَانِ بُطْلَانِهِ وَفَسَادِهِ. وَأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ إِلَّا الْخَيْبَةَ. وَالْخُسْرَانَ مَنْ يَتَعَوَّذُ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَحْصُلُ مِنْ تَعَوُّذِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ إِلَّا الْخَيْبَةَ وَالْخُسْرَانَ. وَالضَّيَاعَ وَالْحِرْمَانَ وَهَٰذَا شَاهِدٌ عَلَىٰ ذَٰلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ. وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ رِجَالٍ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ يَعْنِي يَطْلُبُونَ مِنْ رِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ أَنْ يُعِيذُوهُمْ فَيَسْتَعِيذُونَ بِهِمْ. وَيَطْلُبُونَ الْعَوْذَةَ مِنْهُمْ. مِثْلَ مَا كَانَ يَفْعَلُ الْمُشْرِكُونَ إِذَا نَزَلَ أَحَدُهُمْ وَادِيًا إِذَا نَزَلَ أَحَدُهُمْ وَادِيًا وَخَافَ مِمَّنْ فِي الْوَادِي كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَعَوُّذِهِمْ نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَٰذَا وَادِي أَيْ مِنْ الْجِنِّ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ. نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَٰذَا الْوَادِي مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ. فَيَتَعَوَّذُونَ أَنْ يَتَعَوَّذُونَ بِالشَّيَاطِينِ.
وَهَٰذَا مِنْ مَعْنَىٰ قَوْلِهِ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا. زَادُوهُمْ رَهَقًا. أَيْ لَا يُحَصِّلُ مِنْ تَعَوُّذِهِ بِهِمْ إِلَّا الرَّهَقُ. وَهُوَ الضَّعْفُ وَالْهَوَانُ وَالْحِرْمَانُ وَالضَّيَاعُ. لَا يُحَصِّلُ إِلَّا ذَٰلِكَ.
فَزَادُوهُمْ رِفْقًا. قِيلَ زَادُوهُمْ أَيْ زَادَ الْجِنِّيُّونَ مَنْ يَسْتَعِيذُونَ بِهِمْ مِنْ الْإِنْسِ رَهَقًا أَيْ ضَعْفًا وَضَيَاعًا وَمَرَضًا لِأَنَّ قُلُوبَ هَٰؤُلَاءِ تَمْرَضُ بِهَٰذَا التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ. وَقِيلَ رَهَقًا أَيْ زَادَ الْإِنْسِيُّونَ مَنْ اسْتَعَاذُوا بِهِمْ رَهَقًا أَيْ طُغْيَانًا وَهُوَ تَكَبُّرٌ وَتَعَالِيًا وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ.
الْعَوْذُ وَالِاسْتِعَاذَةُ هَٰذِهِ عِبَادَةٌ. فَمَنْ صَرَفَهَا لِغَيْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ فَقَدْ أَشْرَكَ. وَالْمُشْرِكُ لَا يَحْصُلُ مِنْ وَرَاءِ شِرْكِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا الْخَيْبَةَ وَالْحِرْمَانَ وَالْخُسْرَانَ.
قَالَ وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّىٰ يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَٰلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَٰذَا الْحَدِيثَ حَدِيثَ خَوْلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، مَنْزِلًا هَٰذِهِ تَشْمَلُ سُكْنَاكَ لِبَيْتٍ جَدِيدٍ نُزُولَكَ فِي مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ الطَّرِيقِ بَيَاتَكَ فِي فُنْدُقٍ فِي أَيِّ مَكَانٍ مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا يَكُونُ هَٰذَا دُعَاءٌ حَاضِرٌ عِنْدَكَ. أَوَّلَ مَا تَنْزِلُ الْمَنْزِلَ الْجَدِيدَ تَأْتِي بِهَٰذَا الدُّعَاءِ أَعُوذُ بِكَ أَعُوذُ بِكَ كَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. فِي كُلِّ مَنْزِلٍ لَيْسَ خَاصًّا بِبَيْتٍ تَبْنِيهِ فَتَسْكُنُهُ إِنَّمَا هُوَ شَامِلٌ لِلْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ الْبَيْتُ وَشَامِلٌ لِلْمَنْزِلِ الَّذِي تَنْزِلُهُ فِي سَفَرِكَ لفتْرَةٍ مُؤَقَّتَةٍ حَتَّىٰ وَلَوْ فِي الْعَرَاءِ وَالصَّحْرَاءِ. أَوْ فِي بَيْتٍ تَسْتَأْجِرُهُ لِأَيَّامٍ. أَوْ فِي ضِيَافَةِ قَرِيبٍ أَوْ صَدِيقٍ
مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا أَيَّ مَنْزِلٍ يَدْعُو بِهَٰذِهِ الدَّعْوَةِ وَيَأْتِي بِهَٰذَا التَّعَوُّذِ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ. عَرَفْنَا قَبْلَ قَلِيلٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ إِذَا نَزَلُوا وَادِيًا تَعَوَّذُوا بِمَنْ؟ بِسَيِّدِ ذَٰلِكَ الْوَادِي وَهَٰذَا ضَلَالٌ وَشِرْكٌ بِاللَّهِ. فَالْإِسْلَامُ هَدَمَ جَاهِلِيَّةَ أُولَٰئِكَ وَأَبْطَلَ ضَلَالَهُمْ وَجَاءَ بِالصِّلَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَفِي كُلِّ الْمَقَامَاتِ. أَيْنَمَا تَكُونُ وَفِي أَيِّ مَكَانٍ صِلَتُكَ ثِقَتُكَ اعْتِمَادُكَ تَوَكُّلُكَ عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ. تَفْوِيضُكَ لِأَمْرِكَ لرَبِّ الْعَالَمِينَ. فِرَارِكَ إِلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا إِلَىٰ غَيْرِهِ.
قَالَ مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. أَعُوذُ أَيْ أَلْتَجِئُ وَالِاسْتِعَاذَةُ الْتِجَاءٌ وَاعْتِصَامٌ وَهَٰذَا الِالْتِجَاءُ وَالِاعْتِصَامُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّهِ. فَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ وَلَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَاهُ. أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ. أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتُ. وَكَلِمَاتُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ مِنْ صِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ. فَهُوَ مِنْ صِفَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ الْكَلَامُ وَمِنْ صِفَاتِهِ السَّمْعُ وَمِنْ صِفَاتِهِ الْبَصَرُ وَمِنْ صِفَاتِهِ الْعِلْمُ وَمِنْ صِفَاتِهِ الْإِرَادَةُ وَلِهَٰذَا إِضَافَةُ الْكَلِمَاتِ إِلَيْهِ إِضَافَةُ صِفَةٍ إِلَىٰ مَوْصُوفٍ. كَلِمَاتُ اللَّهِ إِضَافَةُ الْكَلِمَاتِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ إِضَافَةُ صِفَةٍ إِلَىٰ مَوْصُوفٍ أَمَّا بَيْتُ اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ أَمَةُ اللَّهِ هَٰذِي إِضَافَةُ مَخْلُوقٍ إِلَىٰ خَالِقِهِ لَكِنْ عِنْدَمَا تَقُولُ كَلِمَاتُ اللَّهِ أَوْ تَقُولُ سَمْعُ اللَّهِ أَوْ إِرَادَةُ اللَّهِ أَوْ بَصَرُ اللَّهِ أَوْ عِلْمُ اللَّهِ هَٰذِه إِضَافَةُ صِفَةٍ إِلَىٰ مَوْصُوفٍ.
وَلِهَٰذَا اسْتَدَلَّ الْأَئِمَّةُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ عَلَىٰ بُطْلَانِ مَقَالَةِ الضُلَّالِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ. قَالُوا كَيْفَ يُقَالُ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ؟ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ. لَوْ كَانَ ذَٰلِكَ صَحِيحًا لَكَانَ هَٰذَا تَعَوُّذٌ بِمَاذَا؟ بِمَخْلُوقٍ وَالتَّعَوُّذُ بِالْمَخْلُوقِ شرك. لَا يُتَعَوَّذُ بِمَخْلُوقٍ لَا يُتَعَوَّذُ بِمَخْلُوقٍ لِأَنَّ التَّعَوُّذَ بِالْمَخْلُوقِ شِرْكٌ فَإِذَا قِيلَ إِنَّ الْكَلَامَ مَخْلُوقٌ إِنَّ الْكَلَامَ الْمُضَافَ إِلَىٰ اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَهَٰذَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ تَعَوُّذٌ بِمَخْلُوقٍ، وَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ اسْتَدَلَّ الْأَئِمَّةُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ عَلَىٰ بُطْلَانِ مَنْ يَقُولُ هَٰذِهِ هَٰذِهِ الْمَقَالَةَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ الْكَلِمَاتُ هُنَا الْمُضَافَةُ إِلَىٰ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. فَكَلَامُ اللَّهِ تَامٌّ. كَلَامُ الْكَوْنِ الْقَدَرِيُّ. تَامٌّ وَنَافِذٌ.
وَكَلَامُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ الشَّرْعِيُّ الدِّينِيُّ تَامٌّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ الْقُرْآنِ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. فَكَلِمَاتُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ تَامَّةٌ. لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
أعوذ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ أَيْ مِمَّا فِيهِ شَرٌّ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ. فَالْإِطْلَاقُ هُنَا مُقَيَّدٌ بِالْوَصْفِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ يَعْنِي مِنْ شَرِّ الْمَخْلُوقِ الَّذِي فِيهِ شَرٌّ. وَلَمْ يَقُلْ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ مَا مَا خَلَقْتَ لِأَنَّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا لَيْسَ فِيهِ شَرٌّ الْجَنَّةُ الْمَلَائِكَةُ فَالَّتَعَوُّذُ هُنَا مَا فِيهِ شَرٌّ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ. وَهَٰذَا يَأْتِي كَثِيرٌ فِي تَعَوُّذَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. مِثْلُ الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ الَّذِي يُقَالُ عِنْدَ النَّوْمِ اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ. أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ.
وَأَيْضًا اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْأَرْضِ الْعَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ طِينٍ وَمَلِيكَهُ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا. إِلَىٰ آخِرِهِ. وَيُقَالُ عِنْدَ النَّوْمِ وَالْأَوَّلُ يُقَالُ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَعِنْدَ النَّوْمِ. وَفِي هَٰذَا الْمَعْنَىٰ دَعَوَاتٌ كَثِيرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ أَيْ مِنْ شَرِّ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي فِيهَا
شَرٌّ وَهَٰذَا التَّعَوُّذُ يُشْرَعُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا أَنْ يَأْتِيَ بِهَٰذَا التَّعَوُّذِ يَلْتَجِئُ إِلَىٰ اللَّهِ ثُمَّ يَأْتِي بِهِ وَهُوَ وَاثِقٌ بِاللَّهِ، لَا يَأْتِي بِهِ مُرْتَخِيًا ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ. مَا يَأْتِي بِهَٰذَا الدُّعَاءِ وَهُوَ غَيْرُ وَاثِقٍ يَدْعُو بِهَٰذَا الدُّعَاءِ وَيَقُولُ يُمْكِنُ الْآنَ تَلْدَغُنِي عَقْرَبٌ يُمْكِنُ يَحْصُلُ لِي كَذَا يُمْكِنُ أَنْ فَهُوَ غَيْرُ وَاثِقٍ لَا تَدْعُو وَأَنْتَ وَاثِقٌ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ، تَجْمَعُ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالثِّقَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ.
فَقَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّىٰ يَرْتَحِلَ أَوْ يَرْحَلَ مِنْ مَكَانِهِ. حَتَّىٰ يَرْحَلَ مِنْ مَكَانِهِ لَا يَضُرَّهُ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ اعْتَصَمَ بِاللَّهِ ويلتجئ إِلَىٰ اللَّهِ وَفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَىٰ اللَّهِ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟ فَاللَّهُ يَكْفِيهِ وَيَقِيهِ وَيَحْفَظُهُ وَلَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّىٰ يَرْحَلَ. فَيَكُونُ لَهُ بهَٰذَا الدُّعَاءُ حِفْظٌ مِنْ اللَّهِ لَهُ إِلَىٰ أَنْ يَرْحَلَ مِنْ مَكَانِهِ يَكُونُ مَحْفُوظًا بِحِفْظِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
الْإِمَامُ القرطبي يفسِرُ يَقُولُ مُنْذُ سَمِعْتُ هَٰذَا الدُّعَاءَ مَا تَرَكْتُهُ. فِي كُلِّ مَنْزِلٍ يَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ وَأَنَا مُوَاظِبٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ أَنْزِلُ بِهِ آتِي بِهَٰذَا الدُّعَاءِ. يَقُولُ نَزَلْنَا مَرَّةً بِالْمَهْدِيَّةِ مَنْطِقَةٍ يَقُولُ نَزَلْنَا مَنْزِلَ مَرَّةً بِالْمَهْدِيَّةِ فَلَدَغَتْنِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ اللَّيْلَةَ عَقْرَبٌ. يَقُولُ وَتَذَكَّرْتُ أَنَّنِي نَسِيتُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. تَذَكَّرْتُ أَنَّنِي نَسِيتُهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَعْنِي لَمَّا نَزَلْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي ذَٰلِكَ الْمَنْزِلِ نَسِيتُ نَسِيتُ الْإِتْيَانَ بِهَٰذَا الدُّعَاءِ وَهَٰذَا هَٰذِهِ الْقِصَّةُ فِيهَا فَائِدَةٌ أَهَمِّيَّةُ الْمُوَاظَبَةِ وَشَأْنُهَا لِلْعِلْمِ مَعَ هَٰذِهِ الْأَدْعِيَةِ مِثْلُ هَٰذَا قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ مِنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ. يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، مُنْذُ سَمِعْتُ هَٰذَا الْحَدِيثَ مَا تَرَكْتُهُ عُقَيْبَ كُلِّ صَلَاةٍ مُنْذُ سَمِعْتُ هَٰذَا الْحَدِيثَ مَا تَرَكْتُ عُقَيْبَ كُلِّ الصَّلَاةِ يَعْنِي لِأَنَّهُ الْتَزَمَ وَهَٰذَا وَهَٰذَا شَأْنُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهَٰذِي ثَمَرَةُ الْعِلْمِ. ثَمَرَةُ الْعِلْمِ الْعَمَلُ. ثَمَرَةُ الْعِلْمُ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ وَأَنْ تُوَاظِبَ عَلَيْهِ. وَإنْ لَا يَكُونَ مَا تَتَعَلَّمُهُ حُجَّةً عَلَيْكَ لَا لَكَ.
فَأَمْثَالُ هَٰذِهِ الدَّعَوَاتِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا وَالْعِنَايَةُ بِهَا أَنْ يَكُونَ دَائِمًا كُلُّ ذِكْرٍ وَكُلُّ دُعَاءٍ فِي فِي وَقْتِهِ الْمُنَاسِبِ يَأْتِي بِهِ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا يَعْنِي إِذَا جَلَسَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ، إِذَا أَقْبَلَتْ عَلَىٰ بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَيْضًا فِيهِ تَعَوُّذٌ ثَابِتٌ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَقُولُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِكَ إِلَىٰ الْقَرْيَةِ أَوْ الْبَلْدَةِ اللَّهُمَّ رب السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْ وَرَبَّ الْأَرَاضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْ وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ وَرَبَّ الْإِنْسِ وَمَا أَظْلَلْنَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ وَشَرِّ مَا فِيهَا. وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ مَا فِيهَا. تَتَعَوَّذُ وَأَنْتَ وَإِذَا نَزَلْتَ تَتَعَوَّذُ بِهَٰذَا التَّعَوُّذِ.
وَهَٰكَذَا تَأْتِي أَيْضًا بِالتَّعَوُّذَاتِ وَالْأَذْكَارِ الَّتِي تُقَالُ فِي الْمَسَاءِ تُقَالُ فِي الصَّبَاحِ تُقَالُ عِنْدَ النَّوْمِ تَعْتَنِي بِهَا عِنَايَةً تَامَّةً كَمَا وَجَّهَكَ وَدَلَّكَ عَلَىٰ ذَٰلِكَ نَبِيُّكَ الْكَرِيمُ مُنَاصِحُكَ الْأَمِينُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. الشَّاهِدُ مِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّعَوُّذَ عِبَادَةٌ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ فَالَّتَعَوُّذُ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَةُ حَقٌّ لِلَّهِ وَصَرْفُهَا لِغَيْرِهِ شِرْكٌ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ.
لَا يُتَعَوَّذُ بِأَيِّ مَخْلُوقٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ لَا يُتَعَوَّذُ إِلَّا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ تَعَوَّذَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ
قَالَ فِيهِ مَسَائِلُ
الأولَى تَفْسِيرُ آيَةِ الْجِنِّ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَىٰ تَفْسِيرُ آيَةِ الْجِنِّ وَهِيَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا. وَتَفْسِيرُ هَٰذِهِ الْآيَةِ مَرَّ مَعَنَا وَسَبَقَ أَنْ مَرَّ مَعَنَا فِي دَرْسٍ مَاضِي قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا. أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا. وَأَوْرَدْتُ هُنَاكَ قَوْلَ بَعْضِ السلف فِي مَعْنَىٰ الْآيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَوْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رِجَالٍ مِنْ الْإِنْسِ كَانُوا يعبدون رِجَالًا مِنْ الْجِنِّ. فَأَسْلَمَ الْجِنِّيُّونَ. وَاسْتَمَرَّ أُولَٰئِكَ الْإِنْسُ عَلَىٰ عبادتهم مَنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ أَيْ الْجِنَّ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ أَيْ هَٰؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أَيْ هَٰؤُلَاءِ الْجِنُّ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ. أَيُّهُمْ أَقْرَبُ؟ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ فَالِاسْتِعَاذَةُ وَالِالْتِجَاءُ لِلْجِنِّ بَاطِلَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ سَوَاءٌ قِيلَ أَنَّهُ جِنِّيٌّ مُسْلِمٌ مِثْلَ مَا فِي هَٰذِهِ الْآيَةِ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ مِثْلَ مَا فِي الْآيَةِ الْأُولَىٰ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ يَبْتَغُونَ الْوَسِيلَةَ إِلَىٰ اللَّهِ. فَسَوَاءٌ كَانَ قِيلَ عَنْهُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ لَا يُسْتَعَاذُ بِهِ وَلَا يُلْتَجَأُ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا الِاسْتِعَاذَةُ وَالِالْتِجَاءُ وَالِاعْتِمَادُ عَلَىٰ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ
قَالَ الثَّانِيَةُ كَوْنُهُ مِنْ الشِّرْكِ. كَوْنُهُ أَيْ التَّعَوُّذُ بِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ الشِّرْكِ. وَالْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ واضحة فِي تَقْرِيرِ ذَٰلِكَ.
الثَّالِثَةُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ بِالْحَدِيثِ. لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَىٰ أَنَّ كَلِمَاتِ الله غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ قَالُوا لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِالْمَخْلُوقِ شِرْكٌ. هَٰذَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِدْلَالِ بالحَدِيث عَلَىٰ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِغير اللَّهِ شِرْكٌ. فَأَهْلُ الْعِلْمِ فِي إِبْطَالِ مَقَالَةِ الْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ تَأَثَّرَ بِهِمْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ رَدَّ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ بِأَنَّهُ جَاءَ فِي غَيْرِ الْحَدِيثِ التَّعَوُّذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ فَلَوْ كَانَتْ الْكَلِمَاتُ مَخْلُوقَةً لَكَانَ هَٰذَا تَعَوُّذٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ وَالتَّعَوُّذُ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ.
قَالَ الرَّابِعَةُ فَضِيلَةُ هَٰذَا الدُّعَاءِ مَعَ اخْتِصَارِهِ. فَضِيلَةُ هَٰذَا الدُّعَاءِ مَعَ اخْتِصَارِهِ يَعْنِي كَلِمَاتٌ مَا تَأْخُذُ مِنْكَ جُهْدًا وَلَا وقْتَا يَعْنِي كَلِمَاتٌ هِيَ فِي أَقَلَّ مِنْ سَطْرٍ. أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. مَا تَأْخُذُ مِنْكَ وَقْتًا يَعْنِي رُبَّمَا إِذَا وَصَلْتَ إِلَىٰ مَنْزِلٍ وَأَرَدْتَ أَنْ تَجْلِسَ مِنْ إِرَادَتِكَ الْجُلُوسُ إِلَىٰ أَنْ تَصِلَ الْأَرْضَ تَكُونُ انْتَهَيْتَ مِنْ الدُّعَاءُ مَا يَأْخُذُ مِنْكَ وَقْتًا وَلَا جُهْدًا فَهُوَ مُخْتَصَرٌ جِدًّا لَكِنْ فَضْلُهُ وَثَمَرَتُهُ وَنَتِيجَتُهُ عَظِيمَةٌ جِدًّا لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ أَيْ أيَّ شَيْءٌ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ أَصْبَحَ بِهَٰذَا الدُّعَاءِ فِي حِصْنٍ وَفِي حِفْظِ، حَفِظَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ بِمُحَافَظَتِهِ عَلَىٰ هَٰذَا الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ الْمُبَارَكِ فَهِيَ أَلْفَاظٌ مُخْتَصَرَةٌ وَكَلِمَةٌ يَسِيرَةٌ جِدًّا لَا تَتَطَلَّبُ جُهْدًا وَلَا وَقْتًا وَثَمَرَتُهَا عَظِيمَةٌ جِدًّا.
قَالَ الْخَامِسَةُ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ يَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مِنْ كَفِّ شَرٍّ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ لَا يَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشرك. وَهَٰذِه فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَمَّا لَمْ يَعْقِلُوا هَٰذَا الْأَمْرَ تَوَرَّطُوا فِي وَرَطَاتٍ وَدَخَلُوا فِي شِرْكِيَّاتٍ وَأَبَاطِيلَ بِاسْمِ التَّجْرِبَةِ تَحْتَ اسْمِ التَّجْرِبَةِ فَيَقُولُونَ جَرَّبَ فُلَانٌ كَذَا وَجَرَّبَتْ فُلَانَةُ كَذَا. وَتَحْتَ هَٰذَا الِاسْمِ دَخَلَ الشِّرْكُ وَالضَّلَالُ وَالْبَاطِلُ بِرُمَّتِهِ وَبِأَصْنَافِهِ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ. فَالْمُؤَلِّفُ هُنَا يَقُولُ كَوْنُهُ يَحْصُلُ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ أَوْ انْدِفَاعُ مَضَرَّةٍ هَٰذَا لَيْسَ دَلِيلٌ عَلَىٰ صِحَّةِ الْأَمْرِ لَيْسَ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَىٰ صِحَّةِ الْأَمْرِ. قَدْ يَكُونُ هَٰذَا اسْتِدْرَاجٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ لِهَٰذَا الْإِنْسَانِ وَلِغَيْرِهِ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. فَيَكُونُ اسْتِدْرَاجًا لِلْإِنْسَانِ. قَدْ يَأْتِي إِنْسَانٌ إِلَىٰ مَكَانٍ وَيَنْذُرُ لَهُ أَوْ يَسْتَعِيذُ بِهِ. ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ مُرَادٌ دُنْيَوِيًّا. قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ وَكَتَبَهُ فَيَكُونُ هَٰذَا فِتْنَةً لِهَٰذَا الرَّجُلِ وَلِغَيْرِهِ يَكُونُ فِتْنَةً لِهَٰذَا الرَّجُلِ وَلِغَيْرِهِ وَلِهَٰذَا لَيْسَ الْمِقْيَاسُ حُصُولَ الْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَلَيْسَ الْمِقْيَاسُ انْدِفَاعَ الْمَضَرَّةِ وَإِنَّمَا الْمِقْيَاسُ هُوَ صِحَّةُ الْعَمَلِ وَاسْتِقَامَتُهُ عَلَىٰ ضَوْءِ ضَوَابِطِ الشَّرْعِ.
وَلِهَٰذَا التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِهَٰذَا الْأَمْرِ إِذَا قَالَ لَكَ قَائِلٌ فُلَانٌ جَرَّبَ كَذَا وَكَذَا تَقُولُ لَهُ لَحْظَةً قَبْلَ التَّجْرِبَةِ هَاتِ الدَّلِيلَ عَلَىٰ صِحَّةِ هَٰذَا الْعَمَلِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. قَبْلَ التَّجْرِبَةِ مَا لَنَا وَلِتَجْرِبَةِ فُلَانٍ. نَحْنُ مُتَعَبَّدُونَ لَيْسَ بِالتَّجَارُبِ. وَإِنَّمَا بِشَرْعِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ وَدِينِهِ. بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهَاتِ الدَّلِيلَ عَلَىٰ مَشْرُوعِيَّةِ هَٰذَا الْعَمَلِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ؟ هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، هَلْ هُوَ كَذَا؟ هَٰذَا يَحْتَاجُ إِلَىٰ دَلِيلٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. لَا يُعْرَفُ وُجُوبُ الْأَمْرِ أَوْ اسْتِحْبَابُهُ. أَوْ تَحْرِيمُهُ أَوْ كَرَاهِيَتُهُ إِلَّا مِنْ خِلَالِ الشَّارِعِ. إِلَّا مِنْ خِلَالِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
فَعَلَىٰ عَلَىٰ كُلِّ حَالٍ قَدْ يَحْصُلُ ذَٰلِكَ عِنْدَ مَا يَقُومُ أَحَدٌ بِمِثْلِ هَٰذِهِ الْأَعْمَالِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ تَنْدَفِعُ عَنْهُ مَضَرَّةٌ أَوْ قَدْ يُشْفَىٰ مِنْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِ ذَٰلِكَ وَيَكُونُ هَٰذَا اسْتِدْرَاجًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ. وَيَكُونُ فِتْنَةً وَيَكُونُ فِتْنَةً يَفْتَتِنُ هُوَ بِذَٰلِكَ وَيُفْتَتَنُ بِهِ غَيْرُهُ. فَإِذًا هَٰذَا لَيْسَ بِمِقْيَاسٍ وَلَا وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ دَلَالَةُ الشَّرْعِ عَلَىٰ صِحَّةِ الْأَمْرِ. وَالْمُعْتَبَرُ اسْتِقَامَةُ الْأَمْرِ عَلَىٰ ضَوْءِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ. كِتَابِ اللَّهِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
قَالَ خَامِسًا أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ يَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ مِنْ كَفِّ شَرٍّ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ لَا يَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشِّرْكِ. لَا يَدُلُّ : الِاسْتِدْلَالُ لَا يَكُونُ بِهَٰذَا. الِاسْتِدْلَالُ لَا يَكُونُ بِهَٰذَا وَهَٰذَا تَوْجِيهٌ نَافِعٌ مِنْ مُصَنِّفٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، اَلِاسْتِدْلَالُ لَا يَكُونُ بِهَذَا، اَلدَّلِيلُ هُوَ أَنْ يُؤْتَى بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلِهَذَا يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، بَلْ يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ كَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَنْ فَارَقَ الدَّلِيلَ ضَلَّ السَّبِيلَ، وَلَا دَلِيلَ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاحْفَظُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ نَافِعَةً، يَقُولُ: مَنْ فَارَقَ الدَّلِيلَ ضَلَّ السَّبِيلَ. وَلَا دَلِيلَ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ، أَمَّا أَنْ يَسْتَدِلَّ مُسْتَدِلٌّ يَقُولُ فُلَانٌ جَرَّبَ، أَوْ فُلَانَةٌ جَرَّبَتْ، أَوْ فُلَانٌ عَلَّقَ كَذَا وَاسْتَفَادَ، أَوْ فُلَانٌ وَضَعَ خَيْطًا وَانْتَفَعَ، إِلَى آخِرِ مَا يَقُولُ الْجُهَّالُ وَالضُّلَّالُ، فَهَذِهِ لَيْسَتْ أَدِلَّةً.
لا دَلِيلَ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. لَا دَلِيلَ إِلَّا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. اَلدَّلِيلُ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا يُسْتَدَلُّ بِالْحِكَايَاتِ. وَلِهَذَا لَمَّا أَسْلَمَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنْفُسَهُمْ لِلْحِكَايَاتِ، دَخَلُوا فِي فِي وَرْطَاتٍ عَظِيمَةٍ، دَخَلُوا فِي شِرْكِيَّاتٍ، وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ فِي الْعَمَلِ الشِّرْكِيِّ الَّذِي بَاشَرُوهُ إِلَّا تَجْرِبَةُ فُلَانٍ وَعَلَّانٍ، وَهَذَا لَيْسَ دَلِيلًا، اَلدَّلِيلُ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ، أَمَّا التَّجَارِبُ هَذِهِ لَيْسَتْ بِدَلِيلٍ، هَذَا الَّذِي جرّب اِحْتِمَالٌ كَبِيرٌ أَنَّهُ يَكْذِبُ. حَتَّى يُدْخِلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَاطِلِ، وَاحْتِمَالٌ أَنَّهُ يُرِيدُ أَكْلَ مَالِ مَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، مِثْلَ أَصْحَابِ التَّمَائِمِ وَأَصْحَابِ الْحُرُوزِ الَّذِينَ يَبِيعُونَهَا، لَمَّا يَبِيعُونَهَا يَقُولُونَ نَافِعَةٌ وَلَا يَقُولُونَ ضَارَّةٌ؟ يُحَدِّدُونَ لَهَا فَوَائِدَ، يَقُولُونَ هَذِهِ تُفِيدُ فِي كَذَا وَتُفِيدُ فِي كَذَا، مَا يَقُولُونَ هَذَا شرك هَذَا ضلَالٌ، لَا يَقُولُ هَذَا، حَتَّى وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بَعْضُهُمْ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى ضلَالٍ وَعَلَى بَاطِلٍ، لَكِنْ مِثْلَ مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ أَكْلَ عَيْشٍ، يَرْتَزِقُ مِنْ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ أَمْوَالٌ يُجْمَعُ، فَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ عَلَى عَلَى ضلَالٍ وَعَلَى بَاطِلٍ.
لَكِنَّهُ يَجْمَعُ بِهَذَا الضَّلَالِ أَمْوَالًا، وَلِهَذَا يَقُولُ فُلَانٌ جَرَّبَ، وَيَقُولُ فُلَانٌ اِسْتَفَادَ، وَيَكْذِبُ، يُعَدِّدُ أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَكَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ كَذِبٌ لَا صِحَّةَ لَهُ. أَكْثَرُ ذَلِكَ كَذِبٌ لَا صِحَّةَ لَهُ. وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ صَحَّ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِدْرَاجِ. فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ. لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، اِنْتَهَى؟ نَعَمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ.
كَانَ اللَّهُ بِمَا قُلْتُمْ وَبَارَكَ اللَّهُ فِي جُهُودِكُمْ،
يَقُولُ السَّائِلُ: هَلْ يَجُوزُ لُبْسُ الْحِذَاءِ الَّذِي فِيهِ مَخِيطٌ؟ عِنْدَ الْحِذَاءِ الَّذِي فِيهِ مَخِيطٌ، وَكَذَلِكَ السَّاعَةُ الْحِزَامُ وَالْمِحْفَظَةُ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي فِيهَا مَخِيطٌ، يَجُوزُ لُبْسُهَا، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنْ لُبْسِ اَلْمَخِيطِ أَيْ مَا كَانَ عَلَى هَيْئَةِ مِثْلِ الْقَمِيصِ وَالْفَنِيلَةِ وَالسَّرَاوِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. أَمَّا الْحِذَاءُ إِذَا كَانَ فِيهِ خَيْطٌ أَوِ السَّاعَةُ إِذَا كَانَ فِيهَا خَيْطٌ أَوِ الْحِزَامُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَضُرُّ، وَهِيَ بِهَذَا لَا تَكُونُ مِنَ الْمَخِيطِ، الْمُرَادُ بِالْمَخِيطِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الْفَنِيلَةُ وَالْقَمِيصُ وَالسِّرْوَالُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
هَذَا السَّائِلُ يَقُولُ: مَاذَا وَرَدَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الرَّوْضَةِ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ؟ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ". وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ وَفَضْلِهَا. رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَهَذِهِ الْبُقْعَةُ هِيَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ. دَاخِلَ مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. اَلْمَسْجِدُ هُوَ بُنِيَ لِلصَّلَاةِ وَلِلذِّكْرِ وَلِلدُّعَاءِ وَلِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ}.
فَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَلَى فَضْلِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ وَهِيَ بُقْعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ وَلِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ". نَعَمْ. مَا بَيْنَ بَيْتِي لَا حَدِيثَ الْحَدِيثُ مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَمَّا بلفَظ مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي لَمْ يَثْبُتْ. وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دُفِنَ فِي بَيْتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَقُلْ هُنَا مَا بَيْنَ بَيْتِي وَقَبْرِي، لِأَنَّ لَمَّا مَاتَ اِخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَيْنَ يُدْفَنُ. وَذَكَرَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُدْفَنُونَ حَيْثُ مَاتُوا"، وَمَاتَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ، مَاتَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ بَيْنَ سَحْرِهَا نَحْرِهَا، مَاتَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حُجْرَتِهَا. وَحُجْرَةُ عَائِشَةَ حُجْرَةٌ صَغِيرَةٌ ضَيِّقَةٌ لَيْسَتْ حُجْرَةً وَاسِعَةً، فَالسَّيِّدُ وَلَدُ آدَمَ مَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَاتَ فِي حُجْرَةٍ صَغِيرَةٍ ضَيِّقَةٍ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَكُونُ عَائِشَةُ رِجْلُهَا فِي إِذَا صَلَّى فِي الْحُجْرَةِ تَكُونُ رِجْلُهَا فِي مَكَانِ السُّجُودِ فَيَغْمِزُ رِجْلَهَا فَتَكُفُّهَا حَتَّى يَجِدَ مَكَانَهَا لِيَسْجُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَاتَ فِي هَذِهِ الْحُجْرَةِ وَجَاءَ عَنْهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُدْفَنُونَ حَيْثُ مَاتُو، فَدُفِنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ.
وَهَذِهِ الْحُجْرَةُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ تَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ كَانَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَحِيضُ فِي تِلْكَ الْحُجْرَةِ. وَكَانَ يَأْتِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهَا فِي تِلْكَ الْحُجْرَةِ، فَهِيَ لَيْسَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ.
وَلِهَذَا هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا مَاتَ لَمْ يُدْفَنْ فِي فِي الْمَسْجِدِ، لَمْ يُدْفَنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْمَسْجِدِ. وَمَنْ يُجَوِّزُونَ دَاءَ الدَّفْنِ فِي الْمَسَاجِدِ وَهُوَ أَمْرٌ بَاطِلٌ مُحَرَّمٌ، يَسْتَدِلُّونَ بِأَنَّ قَبْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَسْجِدِهِ. هُوَ لَمْ يُدْفَنْ فِي الْمَسْجِدِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. دُفِنَ فِي حُجْرَةٍ لِعَائِشَةَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَفِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَوَّلِ زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَ فِي فِي الْحُجْرَةِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَفِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ مَرْوَانَ وُسِّعَ الْمَسْجِدُ فَأُدْخِلَتْ الْحُجْرَةُ فِي الْمَسْجِدِ، وُسِّعَ مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْقِيَّةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَوُسِّعَ الْمَسْجِدُ وَلَكِنْ لَمْ يُوَسَّعْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ، وَفِي زَمَنِ عُثْمَانَ أَيْضًا وُسِّعَ وَلَمْ يُوَسَّعْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ. فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَيْضًا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ مِنَ الْجِهَاتِ وَوُسِّعَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ فَدَخَلَتِ الْحُجْرَةُ، فَالَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى جَوَازِ دَفْنِ الْمَوْتَى دَاخِلَ الْمَسَاجِدِ هَلْ لَهُمْ دَلِيلٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ؟ أَوْ لَا دَلِيلَ لَهُمْ؟
إِنْ كَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِفِعْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَفِعْلُ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَيْسَ هُوَ الدَّلِيلَ. الدَّلِيلُ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَفِعْلُ عَبْدِ الْمَالِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَيْسَ هُوَ الدَّلِيلَ، الدَّلِيلُ قَالَ رَسُولُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ.
وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَحَظَاتٍ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَحَظَاتٍ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". تَقُولُ عَائِشَةُ: يُحَذِّرُ مِمَّا صَنَعُوا. وَهَذَا كَلَامٌ قَالَهُ فِي آخِرِ لَحَظَاتِهِ. عِنْدَ تَوْدِيعِهِ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ، فَنَتْرُكُ النَّصَّ الْمُحْكَمَ الْبَيِّنَ الْوَاضِحَ وَنَسْتَدِلُّ بِفِعْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ فوَضْعُ الْقُبُورِ فِي الْمَسَاجِدِ هَذَا لَا يَجُوزُ. هَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَحِلُّ. نَعَمْ. أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ،
يَقُولُ السَّائِلُ: إِنِّي لَا أَجِدُ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ مَنْ يُوَفِّرُ لِيَ التَّيَمُّمَ، هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى الزَّرَابِيِّ؟ الْمَسْجِدُ مُوَفَّرٌ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ دَوْرَاتُ مِيَاهٍ فِيهَا مَاءٌ لِلْوُضُوءِ، وَلَا يُتَيَمَّمُ إِذَا كَانَ الْمَاءُ حَاضِرًا. فَالتَّيَمُّمُ لَا يَصِحُّ، لَا يُتَيَمَّمُ إِذَا كَانَ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ، أَمَّا إِذَا لَا لَمْ يُوجَدِ الْمَاءُ فَيُصَارُ إِلَى التَّيَمُّمِ. نَعَمْ.
يَقُولُ السَّائِلُ: هَلِ النَّذْرُ عِبَادَةٌ؟ أَمَنَّا الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ هُوَ الْعِبَادَةُ. النَّذْرُ عِبَادَةٌ. وَالْوَفَاءُ بِهِ، الْوَفَاءُ نَفْسُهُ عِبَادَةٌ. وَالنَّذْرُ عِبَادَةٌ عِبَادَةٌ، وَلِهَذَا عَدَّ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَنْوَاعِ النَّذْرِ نَذْرَ الطَّاعَةِ، وَنَذْرَ التَّبَرُّرِ الَّذِي ذَكَرْنَا مِثَالَهُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ، لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ دُونَ اشْتِرَاطِ أَنْ حَصَلَ لِي كَذَا، هَذَا مَكْرُوهٌ. نَعَمْ.
هَذَا السَّائِلُ يَقُولُ: يَسْتَدِلُّ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ بِحَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ حَدِيثِ ذَاتِ أَنْوَاطٍ عَلَى الرَّدِّ عَلَى دُعَاةِ التَّوْحِيدِ الَّذِينَ يُلْزِمُونَ الْبَدْءَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَوَجِّهًا لِلْجِهَادِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ لَمْ يُحَقِّقُوا التَّوْحِيدَ.
هَذَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ طَعْنٌ فِي النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، طَعْنٌ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَعَلَى قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْآثِمَةِ، فَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلُ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ وَأَوَّلُ مَا يُبَيِّنُ تَوْحِيدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالْجِهَادُ وَغَيْرُهُ لَا يُبْنَى إِلَّا عَلَى التَّوْحِيدِ. وَلَا يُقْبَلُ إِلَّا إِذَا كَانَ قَائِمًا عَلَى التَّوْحِيدِ. مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فهوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ التَّوْحِيدُ الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا. فَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَرَجَ بِأَقْوَامٍ وَتَرَكَهُمْ مَا عَلَّمَهُمْ؟ وَأَنَّ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ أَنَّ أَنَّ الْجِهَادَ أَهَمُّ؟ هَذَا لَا يَقُولُهُ إِنْسَانٌ يَفْهَمُ وَيُدْرِكُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ. وَمَكَثَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَا يُرَدِّدُ إِلَّا قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، يُبَيِّنُ التَّوْحِيدَ وَيَدْعُو إِلَى الْإِخْلَاصِ وَيَأْمُرُ بِهِ وَهَكَذَا شَأْنُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِهِ، أَوَّلُ مَا يَقْرَعُ سَمْعَ أَقْوَامِهِمْ مِنْهُمْ هُوَ الدُّعَاءُ إِلَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، الدُّعَاءُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ.
ثُمَّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ هُمْ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، هُمْ أَسْلَمُوا وَمَعْنَى أَسْلَمُوا أَيْ أَنَّهُمْ وَحَّدُوا اللَّهَ. وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلَمَّا رَأَوْا هَذِهِ الشَّجَرَةَ الْتَبَسَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يُؤَثِّرُ، فَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ وَلَمْ يَفْعَلُوا هُمْ هَذَا الْفِعْلَ، طَلَبُوا قَالُوا اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَالْتَبَثَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ وَاشْتَبَهَ وَبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. الْأَمْرَ وَوَضَّحَهُ لَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ،
يَقُولُ السَّائِلُ هُنَا: دُعَاءُ الْمَنْزِلِ وَدُعَاءُ دُخُولِ الْقَرْيَةِ هَلْ يُكَرِّرُهُ ثَلَاثًا أَمْ يَكْفِي مَا أَمْ تَكْفِي مَرَّةً وَاحِدَةً؟
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً جَاءَ ذِكْرُهُ بِدُونِ ذِكْرِ الثَّلَاثِ. فَيُؤْتَى بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. نَعَمْ.
هَذَا السَّائِلُ يَقُولُ: رَجُلٌ عَمِلَ السحر عَلَى قَوْمٍ فَمَاتَ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ. وَجُنَّ مِنْهُمْ مَنْ جُنَّ، فَهَلْ إِذَا تَابَ وَحَجَّ وَتَصَدَّقَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ السَّحَرَةُ سَقَطَ عَنْهُ كُلُّ شَيْءٍ أَمْ مَاذَا يَفْعَلُ؟
السِّحْرُ لَهُ حَقِيقَةٌ وَيَضُرُّ، رُبَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَوْتٌ، رُبَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَفَرُّقُ الزَّوْجَيْنِ، وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَضْرَارٌ وَهُوَ كُفْرٌ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَالسَّاحِرُ لَا يَكُونُ إِلَّا كَافِرًا. لِأَنَّ السِّحْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالتَّقَرُّبِ لِلشَّيَاطِينِ وَنَبْذِ الكِتَابِ الْكَرِيمِ نَبْذِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَالسَّاحِرُ لَا يَكُونُ سَاحِرًا إِلَّا بِالْكُفْرِ. {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} فَالسِّحْرُ كُفْرٌ وَلَا يَكُونُ السَّاحِرُ إِلَّا إِلَّا كَافِرًا.
وَالسَّاحِرُ كُلُّ مَنْ أَضَرَّ بِهِمْ وَبَغَى عَلَيْهِمْ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ بِسِحْرِهِ يَلْقَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَذِهِ الْمَظَالِمِ مَظَالِمِ هَؤُلَاءِ، يَلْقَى اللَّهَ بِهَذِهِ الْآثَامِ وَبِهَذِهِ الِاعْتِدَاءَاتِ، وَالتَّائِبُ التَّائِبُ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ. كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. التَّائِبُ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ. لَكِنَّ الْمَظَالِمَ مَظَالِمَ النَّاسِ لِلنَّاسِ فِيهَا حَقُّ النَّاسِ فِيهَا حَقٌّ، فَمَنْ تَابَ مِنَ السِّحْرِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَكِنْ تَبْقَى الْمَظَالِمُ مَظَالِمُ النَّاسِ هَذِي حَقٌّ لِلنَّاسِ.
وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقْتَصُّ لِلْمَظْلُومِ مِنْ ظَالِمِهِ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: "أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ". ثُمَّ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: "لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ
وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَيْهِ مَظْلِمَةٌ حَتَّى أَقْتَصَّهَا مِنْهُ. وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَيْهِ مَظْلِمَةٌ حَتَّى أَقْتَصَّهَا مِنْهُ"، فَالْقِصَاصُ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَكُونُ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. يُعْطَى الْمَظْلُومُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ. فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُ الظَّالِمِ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَةِ الْمَظْلُومِ فَطُرِحَتْ عَلَى الظَّالِمِ كَمَا فِي حَدِيثِ: "أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟" قُلْنَا: الْمُفْلِسُ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا دِينَارَ. قَالَ: "الْمُفْلِسُ الَّذِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ ضَرَبَ هَذَا وَشَتَمَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَانْتَهَكَ عِرْضَ هَذَا" إِلَى آخِرِهِ. قَالَ: "فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَيُعْطَوْنَ حَسَنَاتِهِ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ فَطُرِحَ فِي النَّارِ". فَعَلَى كُلِّ حَالٍ هَذَا الشَّخْصُ فِي عَمَلِهِ السِّحْرِ ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ فَهَذَا إِذَا مَنْ تَابَ مِنْهُ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَظُلْمٌ لِلْآخَرِينَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الِاعْتِدَاءِ أَلْحَقَهَا بِهِمْ بِالسِّحْرِ فَهَذِهِ مَظْلِمَةٌ هَذِهِ مَظْلِمَةٌ وَحَقٌّ لِلْآخَرِينَ الْقِصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَإِذَا حَجَّ عَنْهُمْ وَتَصَدَّقَ عَنْهُمْ وَدَعَا لَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ فَهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ لَهُ وَالنَّفْعِ لَهُ وَنَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا وَلَهُ وَلِكُلِّ مُسْلِمٍ.
هَذَا السَّائِلُ يَقُولُ: هَلْ يَجُوزُ ارْتِدَاءُ قِطْعَةٍ مِنَ الْقُمَاشِ طَوِيلَةٍ فَتْرَةَ الْإِحْرَامِ خَوْفًا مِنَ الْبَرْدِ؟ مَنْ خَشِيَ الْبَرْدَ. وَطَابَقَ بَيْنَ إِحْرَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ وَضَعَ عَلَى عَلَى عَلَى جِسْمِهِ مِثْلَ الْبَطَّانِيَّةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ هَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ، وَلَوِ اضْطُرَّ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ أَنْ يَلْبَسَ مَخِيطًا. خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْمَرَضِ خَشِيَ عَلَى صِحَّتِهِ التَّلَفَ بِسَبَبِ شِدَّةِ الْبَرْدِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْمَخِيطَ لِلضَّرُورَةِ وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَ فِدْيَةً أذى. وهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} أَمَّا أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مِنْ فُقَرَاءِ الْحَرَمِ أَوْ يَذْبَحَ شَاةً لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. هَذَا إِذَا كَانَ مُضْطَرًّا، أَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُضْطَرٍّ فَيَكْتَفِي بِالْإِحْرَامِ أَوْ يُطَابِقَ بَيْنَ آآ إِحْرَامَيْنِ أَوْ يَلْبَسَ الْإِحْرَامَ، وَإِذَا وَضَعَ عَلَى عَلَى جِسْمِهِ اللِّحَافَ لَا حَرَجَ، إِذَا نَامَ يَتَغَطَّى بِالْبَطَّانِيَّةِ أَوْ بِبَطَّانِيَّتَيْنِ لَا يُغَطِّي رَأْسَهُ، وَإِذَا اضْطُرَّ لِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ وَخَاصَّةً عِنْدَ النَّوْمِ فِي الْهَوَاءِ الطَّلْقِ يَعْنِي لَيْسَ دَاخِلَ الْخَيْمَةِ، إِذَا بَقِيَ الرَّأْسُ مَكْشُوفًا طُولَ اللَّيْلِ قَدْ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْبَرْدُ وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ الْهَوَاءُ مُتَحَرِّكًا، فَإِذَا اضْطُرَّ لِتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ
يُغَطِّيهِ وَيُفْتِيهِ. فِدْيَةُ الْأَذَى. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

إرسال تعليق