بَابٌ مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَىٰ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾
-وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي : أَيْ مَا أَحْيَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ وَمَا أَمُوتُ عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
- أَنَّ الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ لِأَنَّهُ قَرَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَكَمَا أَنَّ مَنْ صَلَّىٰ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ فَكَذَٰلِكَ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ.
- أَنَّ الصَّلَاةَ وَالذَّبْحَ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ.
- وُجُوبُ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ.
- أَنَّ الْعِبَادَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ –أَيْ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَىٰ أَمْرِ الشَّارِعِ- لِقَوْلِهِ: ﴿وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ﴾.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
-النَّحْرُ عِبَادَةٌ لَا تُصْرَفُ إِلَّا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَكَمَا أَنَّ مَنْ صَلَّى لِغَيْرِ اللَّهِ أَشْرَكَ فَإِنَّ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَشْرَكَ.
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ. لَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَىٰ مُحْدِثًا. لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
-اللَّعْنُ هُوَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
-تَصْدِيرُ الذَّنْبِ بِاللَّعْنِ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ وحَدِيثِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ
-لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ : يَشْمَلُ مَنْ لَعَنَهُمَا ابْتِدَاءً أَوْ لَعَنَهُمَا تَسَبُّبًا
-لَعَنَهُمَا تَسَبُّبًا : أَيْ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ
-مُحْدِثًا : أَيْ مُرْتَكِبًا لِجِنَايَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْحَدَّ فَيُؤْوِيهِ وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِيقَاعِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ مَنْ آوَى مُحْدَثًا أَيْ آوَى الْبِدْعَةَ وَالضَّلَالَةَ وَنَصَرَهَا وَحَمَاهَا
وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "دَخَلَ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ. قَالُوا: وَكَيْفَ ذَٰلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَرَّ رَجُلَانِ عَلَىٰ قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّىٰ يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ. قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُ. قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا. فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ. فَدَخَلَ النَّارَ. وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ. فَضَرَبُوا عُنُقَهُ؛ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ.
-هَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ رَجُلٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِسَبَبِ ذُبَابٍ وَآخَرُ يَدْخُلُ النَّارَ بِسَبَبِ ذُبَابٍ
-مَرَّ رَجُلَانِ عَلَىٰ قَوْمٍ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَثِيرًا مَا يَأْتِي فِي الْأَحَادِيثِ ذِكْرُ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ
-أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا وَذَبَحَ ذُبَابًا لِغَيْرِ اللَّهِ فَدَخَلَ بِهِ النَّارَ
- يَحْتَمِلُ أَنَّ الرَّجُلَ ذَبَحَ الذُّبَابَ تَحْتَ وَطْأَةِ الْإِكْرَاهِ، فَالْحُكْمُ عِنْدَ الْأُمَمِ قَبْلَنَا كَانَ لَا يُعْذَرُ بِذَلِكَ.
-أَنَّ الْعُذْرَ بِالْإِكْرَاهِ مِنْ نِعْمَةِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَرَحْمَتِهِ بِالْأُمَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
-وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُبْدَأْ مَعَهُ بِالْإِكْرَاهِ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى مَرْحَلَةِ الْإِكْرَاهِ، وَهَذَا الْأَمْرُ قَدْ يُسْتَفَادُ مِنَ الْمُبَادَرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ مِنْهُ.

إرسال تعليق