بَابُ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ 
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (سورة الإسراء آية: ٥٧)
-أَنَّ مَعْنَي التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا اللَّهُ هُوَ تَرْكُ مَا عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ دَعْوَةِ الصَّالِحِينَ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِهِمْ إِلَى اللَّهِ فِي كَشْفِ الضَّرِّ أَوْ تَحْوِيلِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ.
-بَيَانُ شِدَّةِ خَوْفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ اللَّهِ وَبَيَانُ رَجَاءِهِمْ لِرَحْمَتِهِ
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨)
-إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي: أَيْ خَلَقَنِي وَهُوَ اللَّهُ فَهُوَ مَعْبُودِي وَحْدَهُ.
-أَنَّ مَعْنَيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَوْحِيدُ اللَّهِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ عِبَادَةِ كُلِّ مَا سِوَاهُ
-إِظْهَارُ الْبَرَاءَةِ مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ
-مَشْرُوعِيَّةُ التَّبَرِّي مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَلَوْ كَانُوا أَقْرَبَ النَّاسِ.
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (سورة التوبة آية: ٣١)
-اتَّخَذُوا: أَيْ جَعَلَ الْيَهُودَ اَلنَّصَارَى.
-أَحْبَارَهُمْ: أَيْ عُلَمَاءَهُمْ. 
-وَرُهْبَانَهُمْ: أَيْ عُبَّادَهُمْ.
-أَرْبَابًا: أَيْ مُشَرِّعِينَ لَهُمْ يُحَلِّلُونَ وَيُحَرِّمُونَ؛ لِأَنَّ التَّشْرِيعَ مِنْ خَصَائِصِ الرَّبِّ فَمَنْ أَطَاعَ مَخْلُوقًا فِيهِ فَقَدْ اِتَّخَذَهُ رَبًّا.
-أَنَّ مَعْنَيَ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ طَاعَةُ اللَّهِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ.
-أَنَّ مَنْ أَطَاعَ مَخْلُوقًا فِي تَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ فَقَدْ اتَّخَذَهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ (سورة البقرة آية: ١٦٥)
-أَنَّ مَنْ اتَّخَذَ نِدًّا مَعَ اللَّهِ يُحِبُّهُ كَمَحَبَّةِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، فَعُلِمَ أَنَّ مَعْنَي التَّوْحِيدِ أَنْ يُفْرَدَ الرَّبُّ بِهَذِهِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ وَالذُّلَّ وَالْخُضُوعَ لَهُ وَحْدَهُ.
-أَنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ)
-أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَي لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ الْكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
-حُرِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ: أَيْ مُنِعَ أَخْذُ مَالِهِ وَقَتْلُهُ بِنَاءً عَلَي مَا ظَهَرَ مِنْهُ.
-وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ: أَيْ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى حِسَابَ مَنْ تَلَفَّظَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَيُجَازِيهِ عَلَى حَسَبِ نِيَّتِهِ وَاعْتِقَادِهِ.
وَشَرْحُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ: مَا بَعْدَهَا مِنْ الْأَبْوَابِ. فِيهِ أَكْبَرُ الْمَسَائِلِ وَأَهَمُّهَا، وَهِيَ تَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ، وَتَفْسِيرُ الشَّهَادَةِ؛ وَبَيَّنَهَا بِأُمُورٍ وَاضِحَةٍ. 
مِنْهَا: آيَةُ الْإِسْرَاءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (سورة الإسراء آية: ٥٧) : بَيَّنَ فِيهَا الرَّدَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الصَّالِحِينَ، فَفِيهَا بَيَانُ أَنَّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ.
وَمِنْهَا:آيَةُ بَرَاءَةٍ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (سورة التوبة آية: ٣١) : بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا إِلَّا بِأَنْ يَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا، مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَهَا الَّذِي لَا إشْكَالَ فِيهِ: طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ فِي الْمَعْصِيَةِ، لَا دُعَاؤُهُمْ إيَّاهُمْ. 
وَمِنْهَا: قَوْلُ الْخَلِيلِ -عليه السلام- لِلْكُفَّارِ: ﴿إِنَّنِي إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فاستثنى (سورة الزخرف آية: ٢٦)، فَاسْتَثْنَى مِنْ الْمَعْبُودِينَ رَبَّهُ .وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذِهِ الْبَرَاءَةَ وَهَذِهِ الْمُوَالَاةَ هِيَ: تَفْسِيرُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ فَقَالَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (سورة الزخرف آية: ٢٨). 
وَمِنْهَا: آيَةُ الْبَقَرَةِ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (سورة البقرة آية: ١٦٧) .ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْدَادَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ حُبًّا عَظِيمًا وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ. فَكَيْفَ بِمَنْ أَحَبَّ النِّدَّ أَكْبَرَ مِنْ حُبِّ اللَّهِ ؟ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يُحِبَّ إِلَّا النِّدَّ وَحْدَهُ وَلَمْ يُحِبَّ اللَّهَ ؟
وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ:« مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حُرِّمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ » (رواه مسلم). وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى « لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ »، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ التَّلَفُّظَ بِهَا عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالْمَالِ، بَلْ وَلَا مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ لَفْظِهَا، بَلْ وَلَا الْإِقْرَارَ بِذَلِكَ، بَلْ وَلَا كَوْنُهُ لَا يَدْعُو إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، بَلْ لَا يُحْرَمُ مَالُهُ وَدَمُهُ حَتَّي يُضِيفَ إلَى ذَلِكَ الْكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ فَإِنْ شَكَّ أَوْ تَوَقَّفَ لَمْ يُحْرَمْ مَالُهُ وَدَمُهُ. فَيَالَهَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَأَجَلَّهَا! وَيَالَهُ مِنْ بَيَانِ مَا أَوْضَحَهُ! وَحُجَّةِ مَا أَقْطَعَهَا لِلْمُنَازِعِ!

Post a Comment

أحدث أقدم