بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ».
كِتَابُ التَّوْحِيدِ
-مَوْضُوعُ هَذَا الْكِتَابِ: بَيَانُ التَّوْحِيدِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَخَلَقَهُمْ لِأَجْلِهِ وَبَيَانُ مَا يُنَافِيهِ مِنْ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، أَوْ يُنَافِي كَمَالَهُ الْوَاجِبَ أَوْ الْمُسْتَحَبَّ مِنْ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ وَالْبِدَعِ.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾(سُورَةُ الذَّارِيَاتِ آيَةُ: ٥٦)
-بَيَانُ الْحِكْمَةِ مِنْ خَلْقِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَهُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ
-أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ دُوْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَخْلُقُ، فَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى عُبّادِ الْأَصْنَامِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ آيَةُ: ٣٦)
-الطَّاغُوتُ: مُشْتَقٌّ مِنْ الطُّغْيَانِ، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، فَكُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ - وَهُوَ رَاضٍ بِالْعِبَادَةِ - فَهُوَ طَاغُوتٌ.
-أَنَّ الْحِكْمَةَ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ هِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالنَّهْيُ عَنْ الشِّرْكِ.
-أَنَّ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَتَرْكُ الشِّرْكِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ شَرَائِعُهُمْ
-أَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ فَفِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾(سُورَةُ الْبَقَرَةِ آيَةُ: ٢٥٦)
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾(سُورَةُ الْإِسْرَاءِ آيَةُ: ٢٤)
-﴿قَضَى﴾: الْقَضَاءُ الشَّرْعِيّ أَيْ أَمَرَ
-مَا فِي كَلِمَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ: (نَفْيُ الْعِبَادَةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ وَإِثْبَاتُهَا لِلَّهِ)
-﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾: تَذَلَّلْ لَهُمَا، وَتَوَاضَعْ، وَأَلِنْ جَانِبَكَ، وَالْخَفْضُ هُوَ التَّوَاضُعُ، وَالْجَنَاحُ: الْجَانِبُ، وَيُطْلَقُ عَلَى يَدِ الْإِنْسَانِ وَعَضُدِهِ وَإِبْطِهِ، وَجَنَاحُ الذُّلِّ: تَرْكُ الِاسْتِعْلَاءِ
-عَظَمَةُ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ حَيْثُ عَطَفَ حَقَّهُمَا عَلَى حَقِّهِ، وَجَاءَ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ.
- وُجُوبُ الْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ.
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ - الْآيَةُ 36)
-يَأْمُرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَمْ يَخُصَّ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، لَا دُعَاءً وَلَا صَلَاةً وَلَا غَيْرَهُمَا، لِيَعُمَّ الْأَمْرُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ،
-وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الشِّرْكِ، وَلَمْ يَخُصَّ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، لِيَعُمَّ النَّهْيُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ.
وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(سُورَةُ الْأَنْعَامِ آيَةٌ: ١٥٣-١٥١)
-﴿إِمْلَاقٍ﴾ : فَقْرٍ وَجُوْعٍ
-﴿الْفَوَاحِشَ﴾ : جَمْعُ فاحِشَةٍ: وَهِيَ الْفِعْلَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ فِي الْقُبْحِ وَالشَّنَاعَةِ، أَيْ : تَبَاعَدُوا عَنْ ارْتِكَابِ كُلِّ خَصْلَةِ سُوءٍ مُتَنَاهِيَةٍ فِي الْقُبْحِ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ خَسِيسَةٍ، وَاجْتَنِبُوا مُقَدِّمَاتِهَا وَوَسَائِلَهَا الْمُوْصِلَةَ إِلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عَلَنًا يَرَاهُ النَّاسُ، أَوْ سِرًّا مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعِهِمْ
﴿وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ﴾، أَيْ: وَبِوَصِيَّةِ اللَّهِ الَّتِي أَوْصَاكُمْ بِهَا فَأَوْفُوا سَوَاءً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ : لِأَجْلِ أَنْ تَعْقِلُوا عَنْهُ وَصِيَّتَهُ هَذِهِ، فَتَقُومُوا بِهَا
-﴿يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ :يَبْلُغُ مُنْتَهَى شَبَابِهِ وَقُوَّتِهِ. أَنَّ الْيَتِيمَ- قَبْلَ بُلُوغِ الْأَشُدِّ - مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّ وَلِيَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ بِالْأَحَظِّ، وَأَنَّ هَذَا الْحَجْرَ يَنْتَهِي بِبُلُوغِ الْأَشُدِّ
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾
-التَّنْبِيهُ عَلَى وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْوَصَايَا: آيَةَ الْحُقُوقِ الْعَشَرَةِ
-أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ يُوصِي بِمَا أَوْصَى بِهِ اللَّهُ، فَكُلُّ وَصِيَّةٍ لِلَّهِ فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِرَسُولِهِ ﷺ.
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
-مَعْرِفَةُ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْنَا وَحَقِّ الْعِبَادِ عَلَيْهِ إِذَا أَدَّوْا حَقَّهُ.
-جَوَازُ كِتْمَانِ الْعِلْمِ لِلْمَصْلَحَةِ مِنْهُ الْخَوْفُ مِنْ الِاتِّكَالِ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ.

إرسال تعليق