﴿كَلَّا﴾ حَقًّا ﴿إِنَّ الْإِنْسَان لَيَطْغَى﴾ (العلق : 6)
﴿أَنْ رَآهُ﴾ أَيْ نَفْسَهُ ﴿اِسْتَغْنَى﴾ بِالْمَالِ، نَزَلَ فِي أَبِي جَهْلٍ، وَ﴿رَأَى﴾ : عَمَلِيَّةً، وَ﴿اسْتَغْنَى﴾ : مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَ﴿أَنْ رَآهُ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ
-أَنَّ الْمَالَ أَحْيَانًا يُفْسِدُ صَاحِبَهُ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَسْتَكْبِرَ عَلَى الْخَلْقِ، وَيَرُدَّ الْحَقَّ.
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ﴾ يَا إِنْسَانُ ﴿الرُّجْعَى﴾ أَيْ الرُّجُوعُ، تَخْوِيفٌ لَهُ، فَيُجَازِي الطَّاغِي بِمَا يَسْتَحِقُّهُ
-الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ لِلْإِنْسَانِ عُمُومًا، أَوْ لِمَنْ طَغَى وَاسْتَغْنَى بِمَالِهِ، أَيْ : إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمَرْجَعَ وَالْمَآلَ وَالْمَصِيرَ فَيُجَازِي كُلًّا بِمَا عَمِلَ.
-وَقَالَ تَعَالَى : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم (26) [الْغَاشِيَةُ: ٢٥، ٢٦]
﴿أَرَأَيْتَ﴾ فِي الثَّلَاثَةِ مَوَاضِعُ لِلتَّعَجُّبِ ﴿الَّذِي يَنْهَى﴾ هُوَ أَبُو جَهْلٍ
-وَكَلِمَةُ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ تَعْجِيبٌ مِنْ حَالٍ، تُقَالُ لِلَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ رَأَى حَالًا عَجِيبَةً
﴿عَبْدًا﴾ هُوَ النَّبِيّ ﷺ ﴿إِذَا صَلَّى﴾
-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى! لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ. أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ. قَالَ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي. زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ. قَالَ فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ. قَالَ فَقِيلَ لَهُ: مَالَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا». (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ)
﴿أَرَأَيْت إِنْ كَانَ﴾ الْمَنْهِيّ ﴿عَلَى الْهُدَى﴾
-أَيْ : فَمَا ظَنُّكَ إِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي تَنْهَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَةِ فِي فِعْلِهِ (تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ)
﴿أَوْ﴾ لِلتَّقْسِيْمِ ﴿أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾
-أَيْ : فَمَا ظَنُّكَ إِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي تَنْهَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَةِ بِقَوْلِهِ (تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ)
-أَيْ : أَرَأَيْتَ يَا أَبَا جَهْلٍ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، أَلَيْسَ نَاهِيهِ عَنْ التَّقْوَى وَالصَّلَاةِ هَالِكًا ؟ (تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ)
﴿أَرَأَيْت إِنْ كَذَّبَ﴾ أَيْ النَّاهِي النَّبِيّ ﴿وَتَوَلَّى﴾ عَنِ الْإِيمَانِ
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّه يَرَى﴾ مَا صَدَرَ مِنْهُ، أَيْ : يَعْلَمُهُ فَيُجَازِيهِ عَلَيْهِ. أَيْ : اِعْجَبْ مِنْهُ يَا مُخَاطَبُ مِنْ حَيْثُ نَهْيُهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَمِنْ حَيْثُ أَنَّ الْمَنْهِيّ عَلَى الْهُدَى آمِرٌ بِالتَّقْوَى وَمِنْ حَيْثُ أَنَّ النَّاهِيَ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ عَنْ الْإِيمَانِ.
﴿كَلَّا﴾ رَدْعٌ لَهُ ﴿لَئِنْ﴾ لَامُ قَسَمٍ ﴿لَمْ يَنْتَهِ﴾ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ لَنَجُرَّنَّ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى النَّارِ
-﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ أَيْ : نَاصِيَةُ أَبِي جَهْلٍ، كَأَنَّهُ اشْتُهِرَ بِهَا وَقَدْ أُخِذَ وَجُرَّ بِنَاصِيَتِهِ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَيُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَيُجَرُّ بِهَا فِي الْآخِرَةِ فِي النَّارِ، وَتَوَسَّمَ بِالسَّوَادِ (عَوْنُ الرَّحْمَنِ)
-قال الله تعالى : ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ (سورة الرحمن - الآية 41)
﴿نَاصِيَة﴾ بَدَل نَكِرَة مِنْ مَعْرِفَة ﴿كَاذِبَة خَاطِئَة﴾ وَصَفَهَا بِذَلِكَ مَجَاز وَالْمُرَاد صَاحِبهَا
-نَاصِيَةُ أَبِي جَهْلٍ كَاذِبَةٌ فِي مَقَالِهَا خَاطِئَةٌ فِي أَفْعَالِهِ (تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ)
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيهِ﴾ أَيْ أَهْل نَادِيهِ وَهُوَ الْمَجْلِس يُنْتَدَى يَتَحَدَّث فِيهِ الْقَوْم. وَكَانَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا انْتَهَرهُ حَيْثُ نَهَاهُ عَنْ الصَّلَاةِ : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا بِهَا رَجُلٌ أَكْثَرَ نَادِيًا مِنِّي، لَأَمْلَأَنَّ عَلَيْكَ هَذَا الْوَادِيَ إِنْ شِئْتَ خَيْلًا جُرْدًا وَرِجَالًا مُرْدًا
-يُنْتَدَى، أي : يَجْتَمِعُونَ لِلتَّخَاطُبِ وَالتَّشَاوُرِ وَالِاسْتِئْنَاسِ، وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ مُعَظَّمًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَهُ نَادٌّ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ النَّاسُ فِيهِ مِنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَكَانَ يَفْتَخِرُ فِيهِمْ (عَوْنُ الرَّحْمَنِ)
﴿سَنَدَعُ الزَّبَانِيَة﴾ الْمَلَائِكَة الْغِلَاظ الشِّدَاد لِإِهْلَاكِهِ كَمَا فِي الْحَدِيث لَوْ دَعَا نَادِيهِ لَأَخَذَتْهُ الزَّبَانِيَة عيانا
-قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللهِ (رواه أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ)
﴿كَلَّا﴾ رَدْع لَهُ ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ يَا مُحَمَّد فِي تَرْك الصَّلَاة ﴿وَاسْجُدْ﴾ صَلِّ لِلَّهِ ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ منه بطاعته
المراجع :
-تفسير الجلالين
-تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ
-عون الرحمن
-تفسير ابن كثير
-تفسير العثيمين
-تفسير السعدي
-تفسير الطبري

إرسال تعليق