لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ، وَلَا لِآخِرِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ
-أَيْ : أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ، وَلَا يَلْحَقُهُ عَدَمٌ، وَأَمَّا الْمَخْلُوقَاتُ فَلَهَا بِدَايَةٌ سَبَقَهَا عَدَمٌ، وَلَهَا نِهَايَةٌ يَلْحَقُهَا عَدَمُ. 
-قَالَ اللهُ تَعَالَى : ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة الحديد : 3)

لَا يَبْلُغُ كُنْهَ صِفَتِهِ الْوَاصِفُونَ، وَلَاَ يُحِيطُ بِأَمْرِهِ الْمُتَفَكِّرُونَ
-لَا يَبْلُغُ كُنْهَ صِفَتِهِ الْوَاصِفُونَ، أَيْ : لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَصِفَ اللَّهَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَعْرِفَ كَيْفِيَّةَ اتِّصَافِهِ بِالصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ
-قول الإِمَامِ مَالِكٍ  -رحمه الله-  عِنْدَمَا سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِوَاءِ، فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ
-وَلَاَ يُحِيطُ بِأَمْرِهِ الْمُتَفَكِّرُونَ أَمْرُ اللَّهُ مِنْهُ مَا هُوَ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ، وَمِنْهُ مَا هُوَ دِينِيٌّ شَرْعِيٌّ، وَكُلٌّ مُشْتَمِلٌ عَلَى حِكْمَةٍ، فَمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ فَلِحِكْمَةٍ، وَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ فَلِحِكْمَةٍ، وَقَدْ يَعْلَمُ الْعِبَادُ شَيْئًا مِنْ الْحِكَمِ فِي الْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ الْقَدَرِيِّ وَالْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يُحِيطُونَ بِحِكَمِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَشَرْعِهِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ، وَالِاسْتِسْلَامُ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، سَوَاءٌ عَرَفَ الْعِبَادُ حِكَمَ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوهَا.

يَعْتَبِرُ الْمُتَفَكِّرُونَ بِآيَاتِهِ، وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَاهِيَةِ ذَاتِهِ
-آيَاتُ اللَّهِ نَوْعَانِ: شَرْعِيَّةٌ وَكَوْنِيَّةٌ، فَالْآيَاتُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَالْآيَاتُ الْكَوْنِيَّةُ آيَاتُهِ فِي خَلْقِهِ كَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
-وَيَدُلُّ لِلِاعْتِبَارِ بِالْآيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ( سورة القمر :  17)، وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ( سورة محمد :  24)
-وَيَدُلُّ لِلِاعْتِبَارِ بِالْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ (آل عمران : 190)
-وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي مَاهِيَةِ ذَاتِهِ. أَيْ : كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَحْثُ فِي كَيْفِيَّةِ الصِّفَاتِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْبَحْثُ فِي كَيْفِيَّةِ الذَّاتِ
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
-وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ : مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تعالى الْعِلْمُ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، أَمَّا الْمَخْلُوقُونَ فَلَا يَعْلَمُونَ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمْ إِيَّاهُ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عِلْمِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ إِلَّا بِمَا أَطْلَعَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ : الْكُرْسِيُّ مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ، وَثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- أَنَّهُ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ

المصدر : قطف الجني الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني، للشيخ عبد المحسن العباد البدر

Post a Comment

أحدث أقدم