بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
ثُمَّ أَمَّا بعد:
قال المصنف رحمه اللهُ تَعَالَى: (كِتَابُ الحَجِّ).
فذكر الشيخ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في ختام العبادات كتاب الحج لأنها آخر المباني الخمس، والحج في الأصل هو القصد، وإنما نقل إلى هذه العبادة لأن فيها قصدًا لبيت الله الحرام بالعمرة والحج، والعلماء يذكرون في هذا الباب أحكام العمرة والحج، ويذكرون تبعا له بعضا من الأحكام كأحكام زيارة مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والأحكام المتعلقة بالهدي النافلة وما يشبه ذلك كالعقيقة ونحوها.
قال: (وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: ٩٧]).
قال: (وَالأَصْلُ فِيهِ ) أي : الأصل في الحج قول الله عَزَّوَجَلَ : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: (٩٧] هنا الأصل بمعنى: الأصل في الوجوب لأن العلماء إذا أطلقوا الأصل في الباب فتارة يقصدون الأصل في الباب الأصل في وجوبه أي: دليل الوجوب، وتارة يقصدون بالأصل أي : العمدة في الباب في تفصيل أحكامه، والله عَزَّوَجَلَّ قد فصل في كتابه في كثير من الآي أحكام الحج، وأما الآية التي أوردها المصنف رحمه الله تَعَالَى فإنها تدل على وجوب الحج على أفراد المسلمين وأعيانهم.
قال: (وَالاسْتِطَاعَةُ أَعْظَمُ شُرُوطِهِ ) لأنها في كتاب الله عَزَّوَجَلَّ فقد قال : ( ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: ٩٧]).
وقوله: إنّها (أَعْظَمُ شُرُوطِهِ) لأن باقي الشروط تنقسم إلى أنواع فإن بعض الشروط شروط للصحة وبعضها للوجوب، وبعضها شروط للزوم، والاستطاعة هي شرط للوجوب، وسماه أعظم الشروط لأنه يتفرع عليه كثير من المسائل.
قال : (وَهِيَ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ). جعل الاستطاعة بمعنى: ملك الزاد والراحلة هذا ثابت في كثير من الآثار، ومن أصحها عن الحسن ابن أبي الحسن البصري وعن غيره، وتواطأ هذه الآثار على هذه المعنى يدل على الجزم به، وبناءً على ذلك: فإن المراد بالاستطاعة هي الاستطاعة المالية، فالاستطاعة التي تكون شرطا للوجوب إنما هي الاستطاعة المالية، وأما الاستطاعة البدنية فليست شرطاً للوجوب، وإنما هي مانع من الوجوب وسأذكر لكم بعد قليل ما الذي يترتب على ذلك.
الاستطاعة المالية تكون لأمرين : للزاد والراحلة، فالزاد في أثناء العبادة والراحلة في الطريق، وبناءً عليه فمن كان من أهل مكة فليس محتاجا للراحلة، ومن كان خارجها فإنّه يحتاج الرّاحلة والزاد، ولذا فإن التعبير بملك الزاد والراحلة يشمل جميع الأمور المالية التي يحتاجها الحاج.
وقول المصنف : ( هِيَ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ) بعد ضروريات الإنسان وحوائجه الأصلية يدلنا على أنه إن ملكهما أي : الزاد والراحلة، ولكنهما لا يفضلان عن حاجته الأصلية وضروريات حياته فإنه لا يكون قد وجب عليه الحج؛ لأنَّ الاستطاعة بمعنى: أن يكون مالكا مالا يفضل عن ضرورياته وحاجاته.
قلت لكم قبل قليل أن الشرط للوجوب إنما هو الاستطاعة المالية، أما الاستطاعة البدنية فليست شرطًا، وإنما هي مانع من الوجوب، وبناءً عليه: فإذا لم يكن واجدا المال فليس بواجب عليه لا الحج ولا بدل الحج، فمن مات فقيرًا غير واجد المال الذي يستطيع به الحج وهو الزاد والراحلة فنقول: لا يلزم وليه أن يحج عنه، وأما من مات وعنده مال، ولكنه قادر ببدله على أن يحج فيجب أن يحج عنه من ماله، ويُشرع لوليه أن يتطوع عنه ليحج عنه الحج الفريضة.
إذن فالضعف البدني وعدم القدرة على ركوب الراحلة وهو الاستطاعة البدنية لا تسقط الحج وإنّما تنقل إلى بدله، وبدله هو أن ينيب غيره فيقوم مقامه.
قال: (وَمِنَ الاسْتِطَاعَةِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ إِذَا احْتَاجَتْ لِسَفَرٍ). (وَمِنَ الاسْتِطَاعَةِ)
وبعضهم يجعله شرطًا منفصلاً لشروط الوجوب أن يكون للمرأة محرم إذا احتاج سفر أي: إذا احتاج انتقالها للحج إلى سفر إن كان بينها وبين مكة مسافة سفر، وأما إذا لم يكن دونها مسافة سفر وإنَّما أقل فإنه لا يلزمها المحرم لأن المحرم إنّما هو للسفر لا للتنقل والمكث في مكة.
قال: (وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي حَجَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَعْظَمِ أَحْكَامِ الحَجِّ).
لا شك في ذلك حتى قال الزركشي: إن العمدة في أحكام الحج هو حديث جابر وما زال أهل العلم، إذا أرادوا أن يذكروا صفة الحج أوردوا حديث جابر.
قال : (وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا )
قال: (وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ) هذه أحد ألفاظ الحديث وإلا فإن بعض الألفاظ في مسلم وفي غيره عند أهل السنن بل وغيرهم كابن خزيمة ألفاظ أخرى تزيد وتنقص من هذا الحديث.
قال : ( أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَثَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فِي العَاشِرَةِ).
قال : (أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَثَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ بعضها قبل أن يفرض الحج وبعضها بعده، وإنما أجل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحج بعد فرضه لسبب وهو النسأ، فإنَّ الله عَزَوَجَلَّ يقول: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: ٣٧]، فإنّه قد قيل كما ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد أن المشركين كانوا قد نسأوا، وكانوا ينسأون فيجعلون الأشهر في غير وقتها، وكانت السنة التاسعة مع فروض الحج فيها كان الناس قد حجوا في شهر ذي القعدة فلم يحج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تلك السنة، وإنما أرسل أبا بكر و علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فحجا بالناس وأذنا فيهم ألا يحج بالبيت بعد هذه السنة مشرك فلما كانت السنة العاشرة حيث حج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام في المسلمين خطيبًا فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثُمَّ قَالَ : أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ أَيُّ مَكَانٍ هَذَا؟ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ» فهذا يدلنا على أن تلك السنة قد استقام استدارة الزمان فأصبح يوم عرفة فيها في اليوم الذي يوافق ما عند الله عَزَّ وَجَلَّ ومثله هذا الشهر فإن هذا الشهر هو شهر ذي الحجة كما عند الله عَزَّوَجَلَّ، وما زال الأمر على هيأته لأنه قد حرم النسئ فقد قال الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧].
قال : (ثُمَّ أَذَّنَ النَّاسَ فِي العَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ حَاجٌ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأتَمَّ بِرَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَعْمَلَ مِثْلَهُ) . هذا امتثال لأمر الله عَزَّوَجَلَّ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحج ﴾ [الحج : ٢٧].
قال: (فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ). خرج الصحابة مع الرسول وقيل أنه يجاوزون عشرات الألوف حتى أتو ذا الحليفة، وذا الحليفة وهو ميقات المدينة وهو واد.
قال : (فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ). أسماء زوجة أبي بكر الصيق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعنها .
قال: (فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ أَصْنَعُ ؟، قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَغْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي»). هذا يدلنا على أن المرأة الحائض يجوز لها أن تُحرم وأنه لا يحرم عليها شيء من أفعال النسك إلا الطواف بالبيت، وقد جاء أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعائشة لما نفست: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي».
وقوله : (وَاسْتَثْفِرِي) أي : شدي شيئًا من الملابس لكي لا يلوث الدم باقي الملابس.
وقوله: (وَأَحْرِمِي) أي : ادخلي في النسك.
قال: (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى البَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»).
قول جابر : (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ) لم يكن في ذلك الوقت في ذي الحليفة مسجد، وإنما مراد جابرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى في الموضع الذي بني عليه مسجد، فإنه كأنه يقول: في الموضع الذي بني عليه فهو إشارة للمكان الذي صار بعد ذلك، مثل ما قال بعض الرواة لما رووا حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وبَيْتِي رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ بعضهم لما نقل الحديث بعد وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ما بين المنبر والقبر مع أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل القبر وإنما قال بيتي فهو حكاه باعتبار ما رأى.
قال : (ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ) وهي دابة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سميت بهذا الاسم لأنها كانت مقطوعة الأذن فإن الدابة إذا قطع أكثر من نصف أذنها سميت عضباء، وإذا قطع أقل من نصف أذنها سميت قصْواء.
قال: (حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى البَيْدَاءِ) وهي الطريق السالكة التي يمشى عليها، (أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ) والمراد به التلبية، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُقل أنه أهل أي: لبى عند الإحرام، ونقل عنه أنه لبّى عند ركوبه ناقته، والظاهر أن كل واحد من الصحابة إنما نقل ما رأى والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل الأمرين، ولذا فإننا نقول: إنّه يُستحب التلبية عند الدخول في النسك، ويُستحب التلبية عند ركوب الدابة أو السيارة، لكن فقهائنا يقولون: لا يستحب تكرار التلبية وهو على هيئة واحدة، فإذا كان في المسجد وصلى ركعتين ودخل في النسك فيلبي مرةً ثم إذا مشى وركب دابته لبى وهكذا ، فكل هيئة تتغير عن هيئته الأولى يلبي بها.
وقوله: (أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ) لأن فيها إفراد العبادة الله عَزَّوَجَلَّ، فقوله: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) قيل إن لبيك هو العودة مرة بعد مرة لأنَّ المرء عندما خرج مكة يقول إني قصدتك مرة بعد مرة.
وقوله: (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الحَمْدَ) بكسر إنّ، ويصح فتحها بأن تقول: أنّ فَتَكُونُ تَعْلِيلِيَّةً أَيْ: إنِّي قَصَدْتُكَ يَا رَبُّ لِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، (إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ) وَهِيَ ثَلَاثُ جُمَلٍ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ فَيَقِفُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا. قَوْلُهُ: (وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ) أَيْ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَهَلَّ بِتَلْبِيَةٍ غَيْرِ تَلْبِيَةٍ الَّتِي لَبَّى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَنُقِلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ التَّلْبِيَّاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ التَّلْبِيَاتِ الْمَنْقُولَةِ جَائِزَةٌ ، وَإِنَّمَا الْمَسْنُونُ مِنْهَا مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطْ وَالْبَاقِي جَائِزٌ. وَقَوْلُهُ: (فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ). يَعْنِي: لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمَنْهِيُّ مِنْ التَّلْبِيَةِ مَا كَانَ فِيهِ شِرْكٌ مِثْلُ تَلْبِيَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك إلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلْبِيَتَهُ). وَلَزِمَ تَلْبِيَتَهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَزِمَ تِكْرَارَهَا ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَزِمَ لَفْظَهَا الْمُتَقَدِّمَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ السَّابِقَةَ لِأَنَّ فُقَهَائَنَا كَمَا ذَكَرْتُ لَكُمْ يَقُولُونَ: لَا يُسْتَحَبُّ تِكْرَارُ التَّلْبِيَةِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنَّمَا يُكَرِّرُهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ ثُمَّ يَقِفُ. قَالَ: (قَالَ: جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ). قَوْلُ جَابِرٍ: (لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ) يَعْنِي: أَنَّهُمْ أَهَّلُوا بِالْحَجِّ فَقَطْ وَلَمْ يَعْرِفُوا إِدْخَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّ مِنْ رُخَصِ الْإِسْلَامِ الْمُتْعَةَ الَّذِي هُوَ التَّمَتُّعُ فِي الْحَجِّ، وَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَنْ الْعُمْرَةِ فِي الْقِرَانِ. هَذَا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ بَعْضًا مِنْ الصَّحَابَةِ اخْتَلَفُوا مَا هُوَ نُسُكُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ جَابِرٌ رَضَّ اللَّهُ عَنْهُ يَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَهَلَّ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ وَغَيْرُهِ نَقَلَ أَنَّهُ أَهَلَّ قَارِنًا وَالصَّوَابُ مَعَ مَنْ نَقَلَ أَنَّهُ قَارَنٌ، وَالسَّبَبُ أَنَّ جَابِرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْقِرَانَ، وَالْقِرَانُ وَالْإِفْرَادُ فِيهِمَا شَبَهٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ: ذَكَرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ مُفْرِدًا فَهُوَ بِظَنِّهِ لَا بِعِلْمِهِ ، وَلِذَا رَجَّحَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ نُسُكَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ الْقِرَانُ. قَالَ: (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ). قَوْلُهُ: (أَتَيْنَا الْبَيْتَ) أَيْ: مَسْجِدَ الْبَيْتِ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ أَوَّلُ مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَهُوَ الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ فَيُسْتَحَبُّ اسْتِلَامُهُ وَيَكُونُ اسْتِلَامُهُ بِدَرَجَاتٍ. أَوَّلُهَا: أَنْ يُقَبِّلَهُ فَيَضَعُ وَجْهَهُ عَلَى الْحَجَرِ وَيُقَبِّلُ الْحَجَرَ. ثُمَّ يَلِيهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْحَجَرِ وَيُقَبِّلُ يَدَهُ.. ثُمَّ يَلِيهُ أَنْ يُشِيرَ بِيَدِهِ أَنْ يَسْتَلِمَهُ بِمِحْجَنٍ أَوْ عَصًا مَعَهُ وَيُقَبِّلُ ذَلِكَ. . ثُمَّ يَلِيهِ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ بِيَدِهِ فَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ فَلَا يُقَبِّلُهَا. إذَنْ: إمَّا أَنْ يُقَبِّلَ الْحَجَرَ أَوْ يَدَهُ أَوْ مَا اسْتَلَمَهُ بِهَا كَعَصًا وَمِحْجَنٍ وَنَحْوِهَا.
قَالَ: (وَطَافَ سَبْعًا) أَيْ: طَافَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ هَذَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجَرِ وَأَنْ يَخْتَتِمَ بِهِ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنْ شَرْطِهِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَشْوَاطِهِ، وَالطَّهَارَةُ كَذَلِكَ. قَالَ: (فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا). قَوْلُهُ: (فَرَمَلَ) أَيْ: أَسْرَعَ فِي الْمَشْيِ مِنْ غَيْرِ مُبَاعَدَةِ الْخُطَى وَإِنَّمَا بِمُقَارَبَتِهَا، وَالرَّمَلُ فِي الطَّوَافِ إنَّمَا يَكُونُ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ قَادِمًا فَإِنْ تَكَرَّرَ طَوَافُهُ كَطَوَافِ الصَّدْرِ أَوْ الْإِفَاضَةِ فَإِنَّهُ لَا يَرْمَلُ فِيهِ.
إِذَنْ: إِنَّمَا يَكُونُ الرَّمَلُ فِي الطَّوَافِ لِمَنْ كَانَ أَوَّلَ طَوَافٍ لَهُ وَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ.
قَالَ: (ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَأَ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥])).
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ نَفَذَ) أَيْ: قَصَدَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ، وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ قِيلَ إِنَّهُ الْحَجَرُ وَقِيلَ إِنَّهُ الْمَوْضِعُ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْحَجَرُ عَلَامَةً عَلَيْهِ ذَكَرَ ذَلِكَ الْفَاكِهِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: فَكَوْنُهُ قَصَدَهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَقْصِدَ الْحَجَرَ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْمَوْضِعَ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَقَامِ مُطْلَقُ الْمَوْضِعِ، قَالَ: (فَقَرَأَ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥]) وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَثَّلُ الْقُرْآنَ فِي فِعْلِهِ.
قَالَ: (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ).
وَقَوْلُهُ: (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَجَعَلَ الْمَقَامَ) أَيْ: الْحَجَرَ حَيْثُ وُضِعَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ) أَيْ: جَعَلَهُ فِي قِبْلَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص)، وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون]). وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ تَخْصِيصُ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ بِهَتَيْنِ السُّورَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ وَاسْتَلَمَهُ). أَيْ: وَاسْتَلَمَهُ بِالصُّورَةِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا.

وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا). هُنَاكَ بَابٌ كَانَ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَيُسَمَّى بَابَ الصَّفَا يُخْرَجُ مِنْهُ إِلَى الصَّفَا، وَقَدِ اسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ لِمَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَطَافِ إِلَى الصَّفَا أَيْ: يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَهَذَا الْبَابُ كَانَ مَوْجُودًا إِلَى نَحْوِ قَبْلِ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً أُزْيَل تَقْرِيبًا فِي التَّوْسِعَةِ الْأُولَى فِي أَوَّلِ السَّبْعِينَاتِ الْهِجْرِيَّةِ مِنَ الْقَرْنِ الْمَاضِي، وَإِزَالَتُهُ هِيَ الصَّوَابُ.

لِمَاذَا؟

لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا حَيْثُ كَانَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا وَقَدْ تَغَيَّرَ الْمَسْجِدُ فَأَصْبَحَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ مِنَ الْمَسْجِدِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ: أَنَّنَا نَقُولُ لَا يُسْتَحَبُّ قَصْدُ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ مَحَلَّ بَابِ الصَّفَا فَتَخْرُجُ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّكَ لَوْ مَرَرْتَ مِنْهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْكَ أَنَّكَ خَرَجْتَ مِنَ الْمَسْجِدِ بَلْ مَا زِلْتَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا فَضْلَ لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ بِعَيْنِهَا وَإِنَّمَا الْفَضْلُ لِهَيْئَةِ الْخُرُوجِ وَلَا خُرُوجَ، وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى أَنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ دَخَلَ أَنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ أَصْبَحَ الْآنَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَسْجِدِ سَوَاءً فِي اتِّصَالِ الصُّفُوفِ وَعَدَمِهَا،

وَذَكَرْتُ لَكُمْ أَمْسِ فِي الْأَسْئِلَةِ فِي قَضِيَّةِ الْإِتْمَامِ لِمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَلِمَنْ كَانَ خَارَجَه، وَمِنَ الْأَحْكَامِ أَيْضًا مَسْأَلَةُ مُكْثِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ فِي وَقُلْتُ إِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَشْهُورٌ جِدًّا وَيَجُوزُ مُكْثُ الْجُنُبِ فِيهِ إِذَا تَوَضَّأَ لِحَدِيثِ عَطَاءٍ.

قَالَ: (فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾).

وَقَوْلُهُ: (فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا) أَيْ: مِنْ جَبَلِ الصَّفَا قَرَأَ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
قَالَ: (فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ).

وَقَوْلُهُ: (فَرَقَى عَلَيْهِ) الرُّقِيُّ عَلَى جَبَلِ الصَّفَا وَجَبَلِ الْمَرْوَةِ سُنَّةٌ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ اسْتِيعَابُ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ.

قَالُوا: وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ اسْتِيعَابًا لِمَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ أَيْ: يُلْصِقُ عَقِبَ رِجْلِهِ بِالصَّفَا ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْمَرْوَةِ فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ أَلْصَقَ عَقِبَ رِجْلِهِ بِهَا ثُمَّ رَجَعَ، هَذَا قَدِيمًا حِينَمَا كَانَ جَبَلُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ كَانَا قَائِمَيْنِ لِأَنَّهُ بَعْدَهُ بِقُرُونٍ ارْتَفَعَتِ الْأَرْضُ بِمَعْنَى: أَنَّ الْأَرْضَ بِاللُّغَةِ الْعَامِّيَّةِ شَبَّتْ وَهَذَا مَعْرُوفٌ تَشِبُّ وَتَرْتَفِعُ، وَتَغَطَّى بَعْضُ الْجَبَلَيْنِ وَهَذَا قَدِيمٌ ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِدِلَالَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَرِّخُونَ مِنْ عَدَدِ دَرَجَاتِ الْجَبَلَيْنِ، ثُمَّ فِي وَقْتِنَا هَذَا مِنْ يَعْنِي بِضْعَ عَشْرَ سَنَوَاتٍ مِنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَكْثَرَ بُلِّطَ الجُزْءُ مِنَ الْجَبَلَيْنِ، وَلِذَلِكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ حَدَّ الْجَبَلِ فَقَدْ كَانَ قَدِيمًا مِنْ حِينِ مَا يُسَمَّى بِالْمِزْلَقَانِ وَهُوَ الْحِجَارَةُ الْمُحَدَّدَةُ، وَالْآنَ وَضَعَ الرِّئَاسَةُ مَشْكُورَةً حَدًّا وَعَلَامَةً لِبِدَايَةِ الشَّوْطِ فَيَجُوزُ لِلطَّائِفِ مِنْ حِينِ يَرَى عَلَامَةَ الشَّوْطِ وَهُوَ عَلَامَةُ مَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَرْجِعَ وَيَكُونَ بِذَلِكَ فِعْلُهُ صَحِيحٌ، وَيَجُوزُ لَهُ وَهُوَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَرْقَى الْجَبَلَ أَوْ أَنْ يَسْتَمِرَّ بِمَا هُوَ فَوْقَ الْجَبَلِ وَهِيَ الدَّائِرَةُ الَّتِي تَكُونُ فَوْقَ الْجَبَلِ وَهَذِهِ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ.

قَالَ: (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) عِنْدَ رُقِيِّهِ الْجَبَلَ.

قَالَ: (فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).

فَالْمُسْتَحَبُّ إِذَا رَقَى الْجَبَلَ بَعْدَ أَنْ يَقْرَأَ الْآيَةَ أَنْ يُكَبِّرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْ يَدْعُوَ وَيَذْكُرَ هَذَا الدُّعَاءَ وَيَمُدَّ يَدَيْهِ، وَهَذِهِ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي أَوْرَدَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

قَالَ: (ثُمَّ نَزَلَ وَمَشَى إِلَى الْمَرْوَةِ). وَقَوْلُهُ: (وَمَشَى) أَيْ: مِنْ غَيْرِ سَعْيٍ شَدِيدٍ.

قَالَ: (حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى). وَقَوْلُهُ: (بَطْنِ الْوَادِي) الْمُرَادُ مَا بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ وَهُوَ دَر ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْمَوْجُودُ الْآنَ الْعَلَامَانِ الْأَخْضَرَانِ.

وَقَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى).

يَعْنِي: إِذَا تَعَدَّى بَطْنَ الْوَادِي وَفِي وَقْتِنَا وَجَاوَزَ الْعَلَمَ الْأَخْضَرَ مَشَى.

وَقَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا).

يَعْنِي: يَمْشِي حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْمَرْوَةِ ثُمَّ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ فَعَلَ كَمَا فَعَلَ فِي الصَّفَا بِأَنْ رَقَاهَا وَقَرَأَ الْآيَةَ وَكَبَّرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَحَمِدَهُ ثُمَّ دَعَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا.

قَالَ: (حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ نَادَى فَقَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌّ فَلْيُحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»).

قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ) يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي بِدَايَةِ الْأَشْوَاطِ لَا فِي نِهَايَتِهَا فَيَدْعُوا سَبْعًا، وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فِي الطَّوَافِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ فَيُكَبِّرُ ثَمَانِيَةَ مَرَّاتٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ عِنْدَ النَّسَائِيِّ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَوْ أَنِّي ٱسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا ٱسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ ٱلْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) أَيْ: فَلْيَحِلَّ بِأَنْ يَفْسَخَ وَيَحْلِقَ رَأْسَهُ وَيَكُونَ حَلَالًا وَهَٰذَا ٱلْحَدِيثُ يَدُلُّنَا عَلَىٰ أَنَّ ٱلْمُتَمَتِّعَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحِلَّ إِنْ لَمْ يَضِقِ ٱلْوَقْتُ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّامِنِ مَثَلًا بَلْ وَشُرِعَتْ أَوْقَاتُ ٱلْعُمْرَةِ لِأَنَّ ٱلْمُتَمَتِّعَ إِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ ٱلْوَقْتُ وَخَشِيَ فَوَاتَ ٱلْوُقُوفِ أَوْ كَانَ ٱلْمُتَمَتِّعُ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ نُسُكُهُمْ إِلَى ٱلْقِرَانِ وَأَمَّا ٱلْقَارِنُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْلِبَ نُسُكَهُ إِلَى ٱلتَّمَتُّعِ إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ إِذَا كَانَ قَدْ سَاقَ ٱلْهَدْيَ كَمَا عَلَّلَ ٱلنَّبِيُّ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَوْلُهُ: (فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ ٱللَّهِ أَلِعَامِنَا هَٰذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ ٱللَّهِ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي ٱلْأُخْرَىٰ وَقَالَ: «دَخَلَتِ ٱلْعُمْرَةُ فِي ٱلْحَجِّ - مَرَّتَيْنِ - لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ». هَٰذَا ٱلْحَدِيثُ يَدُلُّنَا عَلَىٰ أَنَّ ٱلْعُمْرَةَ دَخَلَتْ فِي ٱلْحَجِّ وَمَعْنَىٰ قَوْلِهِ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دَخَلَتِ ٱلْعُمْرَةُ فِي ٱلْحَجِّ إِلَى ٱلْأَبَدِ أُمُورٌ:
ٱلْأَمْرُ ٱلْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاجِّ ٱلتَّمَتُّعُ لِأَنَّهُمْ فِي ٱلْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يَرَوْنَ فِعْلَ ٱلتَّمَتُّعِ فِي ٱلْحَجِّ وَإِنَّمَا يُحْرِمُ ٱلْآفَاقِيُّ بِٱلْحَجِّ فَقَطْ هَٰذَا ٱلْمَعْنَى ٱلْأَوَّلُ لِـ: (دَخَلَتِ ٱلْعُمْرَةُ فِي ٱلْحَجِّ).
ٱلْمَعْنَى ٱلثَّانِي: أَنَّهُ دَخَلَتْ أَفْعَالُ ٱلْعُمْرَةِ فِي أَفْعَالِ ٱلْحَجِّ لِلْقَارِنِ فَإِنَّ ٱلْقَارِنَ يَفْعَلُ أَفْعَالَ ٱلْمُفْرِدِ لَكِنَّهُ إِذَا نَوَىٰ بِهَا ٱلْقِرَانَ أَجْزَأَتْهُ عَنِ ٱلْعُمْرَةِ وَعَنِ ٱلْحَجِّ لَكِنْ عَلَيْهِ هَدْيُ ٱلْقِرَانِ لِدُخُولِ ٱلْحَجِّ فِي ٱلْعُمْرَةِ.
ٱلْمَعْنَى ٱلثَّالِثُ: فِي قَوْلِ ٱلنَّبِيِّ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دَخَلَتِ ٱلْعُمْرَةُ فِي ٱلْحَجِّ) أَيْ: فِي ٱلْحُكْمِ فَحَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِ ٱلْحَجِّ فَإِنَّ ٱلْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ وَيَدُلُّ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قِصَّةُ ٱلْمَرْأَةِ ٱلَّتِي قَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ ٱلْحَجِّ فَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: حُجِّي وَٱعْتَمِرِي فَدَلَّ عَلَىٰ أَنَّ ٱلْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ ٱلْيَمَنِ بِبُدْنِ ٱلنَّبِيِّ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ مَبْعُوثًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ٱلْيَمَنِ.

قَوْلُهُ: (فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ). أَيْ: مِمَّنْ حَلَّ مِنَ ٱلْإِحْرَامِ.

قَوْلُهُ: (وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغ وَٱكْتَحَلَتْ). ٱلصَّبِيغُ يَكُونُ مِنَ ٱلزَّعْفَرَانِ وَٱلزَّعْفَرَانُ يُعَدُّ طِيبًا وَلِذَٰلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُ ٱلثِّيَابِ ٱلْمَصْبُوغَةِ بِٱلطِّيبِ كَٱلزَّعْفَرَانِ.
قَوْلُهُ: (وَاكْتَحَلَتْ) لِأَنَّ الْمُحْرِمَةَ لَا تَكْتَحِلُ، لِمَاذَا لَا تَكْتَحِلُ؟ لِأَنَّهَا أَرَادَتِ التَّزَيُّنَ لِزَوْجِهَا فَهَذِهِ عَلَامَةٌ عَلَىٰ أَنَّهَا حَلَالٌ، وَالْمُحْرِمَةُ لَا تَتَزَيَّنُ لِزَوْجِهَا لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ الْوَطْءُ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْكَرَ ذَٰلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَٰذَا). تَعْنِي: رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ فَذَهَبْتُ إِلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَرِّشًا عَلَىٰ فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ). مُرَادُهُ أَنَّنِي أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَكِيَ لَهُ فِعْلَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ عَلَيْهَا فَقَالَ: صَدَقْتَ مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟)، فَقَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ، فَلَا تَحِلَّ»). كَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ عَلَّقَ النِّيَّةَ عَلَىٰ نِيَّةِ غَيْرِهِ، الْأَصْلُ أَنَّ النِّيَّةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهَا الْحَجُّ، فَيَصِحُّ فِي الْحَجِّ تَعْلِيقُ النِّيَّةِ بِأَنْ تَقُولَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ فُلَانٌ، وَذَكَرُوا ذَٰلِكَ تَعْلِيلًا نَقَلَهُ الْخَلْوَتِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمَنْ عَلَّقَ نِيَّتَهُ عَلَىٰ فِعْلِ غَيْرِهِ جَازَ لَهُ صَرْفُهُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَالَّذِي أَتَىٰ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِئَةً). يَعْنِي: أَنَّ مَجْمُوعَ مَا أَتَىٰ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْهَدْيِ مَعَ الَّذِي سَاقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ مِئَةٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا). بَعْدَ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْي). لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَّ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَبَقِيَ إِلَىٰ الْيَوْمِ الثَّامِنِ وَهُوَ حَلَالٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَأَصْحَابُهُ حَلَالٌ وَأَمَّا هُوَ فَقَدْ بَقِيَ مُحْرِمًا وَقَدْ لَبَّدَ رَأْسَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَىٰ مِنًى). الْمُرَادُ بِيَوْمِ تَرْوِيَةَ هُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدْ تَوَجَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ إِلَىٰ مِنًى بَعْدَ طُلُوعِ النَّهَا، رِأَيْ: ضُحًى
قَوْلُهُ: (فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ) أَيْ: فَأَحْرَمُوا بِالْحَجِّ فِي ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَسُمِّيَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ لِأَنَّهُمْ يَرَوُّونَ الْمَاءَ لِأَنَّ عَرَفَةَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ.
قَوْلُهُ: (وَرَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّىٰ بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ). يَعْنِي: صَلَّىٰ بِمِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ مِنْ لَيْلَةِ التَّاسِعِ وَالْفَجْرَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّىٰ طَلَعَتِ الشَّمْسُ). أَيْ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْيَوْمِ التَّاسِعِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
اَلْقُبَّةُ الَّتِي ضُرِبَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ فِي نَمِرَةَ، وَنَمِرَةُ خَارِجَ عَرَفَةَ.
قَالَ: (فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ: نَفَرَ إِلَىٰ عَرَفَةَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ). كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقِفُونَ وَيَرَوْنَ أَنَّ هَٰذَا خَاصًّا بِقُرَيْشٍ مُمَيِّزًا لَهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ، حَيْثُ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَىٰ عَرَفَةَ إِلَّا قُرَيْشٌ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقِفُونَ فِي الْمُزْدَلِفَةِ وَهُوَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ فَخَالَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَٰلِكَ وَمَشَىٰ مَعَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: (فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ). فَأَجَازَ أَيْ: تَعَدَّىٰ.

قَوْلُهُ: (حَتَّىٰ أَتَىٰ عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا).
هَذِهِ الْقُبَّةُ الَّتِي ضُرِبَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلُّنَا عَلَىٰ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَظِلَّ الْمَرْءُ إِذَا كَانَ مُحْرِمًا، مَا دَامَ هَٰذَا الَّذِي اسْتَظَلَّ بِهِ لَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةٍ.

قَالَ: (حَتَّىٰ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ). قَوْلُهُ: (إِذَا زَاغَتِ) يَعْنِي: وَصَلَتْ لِمَرْحَلَةِ الزَّوَالِ، فَرُحِّلَتْ لَهُ أَيْ: رُحِّلَتِ الْقَصْوَاءُ لَهُ فَجُعِلَ الرَّحْلُ عَلَيْهَا لِيَرْكَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

قَالَ: (فَأَتَىٰ بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَٰذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَٰذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَٰذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ - وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ - وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِمْ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَٰلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُبُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»).

هَذِهِ الْخُطْبَةُ الَّتِي خَطَبَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَهِيَ خُطْبَةٌ عَظِيمَةٌ جَلِيلَةٌ وَفِيهَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّىٰ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ). هَٰذَا يَدُلُّنَا عَلَىٰ أَنَّ السُّنَّةُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ، فَأَمَّا الْجَمْعُ فَهُوَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَأَمَّا الْقَصْرُ بِأَنْ تَكُونَ الرُّبَاعِيَّةُ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعِلَّةُ عِنْدَ فُقَهَائِنَا إِنَّمَا هُوَ السَّفَرُ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: مَنْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ كَالْمَكِّيِّ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ عَلَىٰ قَوْلَيْنِ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورُ عِنْدَ فُقَهَائِنَا أَنَّ عِلَّةَ السَّفَرِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ: فَإِنَّ الْمَكِّيَّ الْأَوْلَىٰ فِي حَقِّهِ أَنْ يُتِمَّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ.

قَالَ: (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) أَمَّا بَعْدَهَا فَإِنَّهُ حَرَامٌ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ كَمَا مَرَّ مَعَنَا بِالْأَمْسِ، وَأَمَّا بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَتَطَوَّعْ أَيْضًا قَبْلَهَا.

قَالَ: (ثُمَّ رَكِبَ حَتَّىٰ أَتَى الْمَوْقِفَ). قَوْلُهُ: (أَتَى الْمَوْقِفَ) يَعْنِي: عَرَفَةَ، وَكَانَ وُقُوفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرِيبًا مِنَ الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ فِيهَا.

قَالَ: (فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ). اَلصَّخَرَاتُ هِيَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِجَانِبِ الْجَبَلِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَحَلِّ وَلَكِنَّ الْأَشْهَرَ هُوَ الْمَكَانُ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ أَظُنُّهُ وَمُمَيَّزٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ.

قَالَ: (وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ) أَيْ: طَرِيقَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) يَدْعُو عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّىٰ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّىٰ غَابَ الْقُرْصُ).

هَٰذَا يَدُلُّنَا عَلَىٰ أَنَّ أَفْضَلَ مَا يُفْعَلُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالدُّعَاءُ، وَأَنَّ هَيْئَةَ الدُّعَاءِ تَكُونُ بِالْوُقُوفِ بِأَنْ يَقِفَ الْمَرْءُ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَأَنْ يَمُدَّ يَدَيْهِ بِالدُّعَاءِ، وَأَفْضَلُ وَقْتٍ لِلدُّعَاءِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مَعَ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ كُلَّهُ وَقْتُ دُعَاءٍ هُوَ آخِرُ النَّهَارِ فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ، قُلْتُ هَٰذَا لِمَا؟ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ قَدْ يَنْشَغِلُ بِبَعْضِ الْفَاضِلِ عَنِ الْأَفْضَلِ، فَيَنْشَغِلُ بِإِطْعَامِ النَّاسِ أَوْ بِالِاتِّصَالِ عَلَىٰ قَرَابَاتِهِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَلَيْسَ هَٰذَا هُوَ الْأَفْضَلُ بَلْ أَفْضَلُ مَا تَفْعَلُهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَتُهَلِّلَهُ فَإِنَّ أَفْضَلَ مَا قَالَ النَّبِيُّونَ فِي هَٰذَا الْيَوْمِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.. إِلَىٰ آخِرِ الْحَدِيثِ، وَمِنْ أَفْضَلِ الذِّكْرِ لَا شَكَّ الْقُرْآنُ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ».

قَوْلُهُ: (وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). كَانَ إِرْدَافُهُ لِأُسَامَةَ عِنْدَمَا نَفَرَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَىٰ الْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِنْدَ غُرُوبِ الْقُرْصِ وَهَٰذَا يَدُلُّنَا عَلَىٰ أَنَّهُ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فِي النَّهَارِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ جُزْءًا مِنَ اللَّيْلِ، الْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ: «يَجِبُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَمَنْ وَقَفَ فِي النَّهَارِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ جُزْءًا مِنَ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَقُولُوا: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْكُثَ إِلَىٰ اللَّيْلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثِّنْتَيْنِ: أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ فِي النَّهَارِ ثُمَّ خَرَجَ وَرَجَعَ فِي اللَّيْلِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، إِذِ الْوَاجِبُ إِنَّمَا هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ لِمَنْ وَقَفَ فِي النَّهَارِ.

قَوْلُهُ: (وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ الزِّمَامُ يَعْنِي: أَنَّهُ جَذَبَ الزِّمَامَ وَلَمْ يُرْخِهِ، فَكَأَنَّهُ قَدْ شَنَقَهَا لِكَيْ لَا تُسْرِعَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّىٰ إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ). مِنْ شِدَّةِ جَذْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزِمَامِ نَاقَتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَىٰ: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ). أَيْ: لَا تُسْرِعُوا وَهَٰذَا يَدُلُّ عَلَىٰ تَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلْعَبْدِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا انْتَهَىٰ مِنْ طَاعَةٍ وَكَانَتْ فِيهِ سَكِينَةٌ فَهَٰذِهِ عَلَامَةُ قَبُولٍ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْمَرْءَ إِذَا خَرَجَ مِنْ طَاعَةٍ مُسْتَعْجِلًا فَكَأَنَّهُ قَدْ نَفَرَ مِنْ سِجْنٍ وَنَحْوِهِ فَقَدْ تَكُونُ دُونَ ذَٰلِكَ.

قَالَ: (كُلَّمَا أَتَىٰ حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَىٰ لَهَا قَلِيلًا حَتَّىٰ تَصْعَدَ). قَوْلُهُ: (حَبْلًا) أَيْ: مَكَانًا مُرْتَفِعًا بِحِجَارَةٍ أَوْ رَمْلٍ يُرْخِي لِلنَّاقَةِ شَيْئًا قَلِيلًا لِكَيْ تَقْوَىٰ لِلصُّعُودِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّىٰ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ). وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمَعْرُوفُ.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّىٰ بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ). صَلَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِوُضُوءٍ تَوَضَّأَهُ فِي الْمُزْدَلِفَةِ فَأَذَّنَ أَذَانًا وَاحِدًا وَأَقَامَ إِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَلَّىٰ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فِي الْمُزْدَلِفَةِ وَلَوْ تَأَخَّرَ فِي وُصُولِهِ إِلَيْهَا مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ خَرَجَ الْوَقْتُ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا). يُسَبِّحْ أَيْ: يُصَلِّي، أَيْ: لَمْ يُصَلِّ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ شَيْئًا مُزْدَلِفًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّىٰ طَلَعَ الْفَجْرُ). قَوْلُ جَابِرٍ: ثُمَّ اضْطَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّىٰ طَلَعَ الْفَجْرُ، أُخِذَ مِنْهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إِحْيَاءُ هَٰذِهِ اللَّيْلَةِ وَهِيَ لَيْلَةُ الْعِيدِ لِمَنْ كَانَ حَاجًّا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَحْيَاهَا، وَإِنَّمَا نُقِلَ أَنَّهُ صَلَّىٰ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ثُمَّ اضْطَجَعَ إِلَىٰ طُلُوعِ الْفَجْرِ.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ). قَالَ: لَمَّا تَبَيَّنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحُ صَلَّاهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّىٰ أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ). اَلْمَشْعَرُ الْحَرَامُ الَّذِي جَاءَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَوْضِعٌ وَهَٰذَا الْمَوْضِعُ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ خَفِيَ وَلَمْ يُجْزِمْ بِمَحَلِّهِ، وَلَكِنَّ أَغْلَبَ الْمُؤَرِّخِينَ عَلَىٰ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدُ الْمَعْرُوفُ الْآنَ، وَإِلَّا فَإِنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ فِي الْقَرْنِ الْمَاضِي ذَكَرَ أَنَّ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ قَدْ خَفِيَ لِأَنَّهُ قِيلَ أَنَّهُ كَانَ جَبَلٌ أَوْ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ وَمَكَانٌ فَسِيحٌ وَهَكَذَا.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ). أَيْ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِدُعَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

**قَوْلُهُ: (فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ، وَوَحَّدَهُ). (فَدَعَاهُ) أَيْ: دُعَاءَ الطَّلَبِ، (وَكَبَّرَهُ): قَوْلُ اللَّهِ أَكْبَرُ، (وَهَلَّلَهُ): بِأَنْ قَالَ: لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ، (وَوَحَّدَهُ): بِأَنْ هَلَّلَ وَقَالَ: وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ مَنْ أَتَىٰ بِهَا أَغْنَاهُ ذَٰلِكَ عَنْ سُؤَالِ الطَّلَبِ، وَلِذَٰلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌأَمَلًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٦] أَيْ: مَهْمَا أَمَّلْتَ مِنْ شَيْءٍ وَرَجَوْتَ مِنْ طَلَبٍ فَإِنَّكَ إِذَا جِئْتَ بِهَٰذِهِ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّهُ سَيَتَحَقَّقُ لَكَ، وَقَدْ جَاءَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي خَيْرًا فَقَالَ: قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَلَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَأَدْبَرَ الْأَعْرَابِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّىٰ إِذَا وَصَلَ بَابَ الْمَسْجِدِ رَجَعَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَفَكَّرَ الْبَائِسُ وَتَبَسَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ الْأَعْرَابِيُّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَٰذِهِ لِلَّهِ فَمَا لِي قَالَ: إِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ، وَإِذَا قُلْتَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ، وَإِذَا قُلْتَ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ فَإِذَا قُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي قَالَ اللَّهُ: هِيَ لَكَ، وَإِذَا قُلْتُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي قَالَ اللَّهُ: هِيَ لَكَ»، فَأَنْ يُقَدِّمَ الْمَرْءُ بَيْنَ دُعَاءِ طَلَبِهِ هَٰذِهِ الْكَلِمَاتِ الْعَظِيمَاتِ الْجَلِيلَاتِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْكَلِمِ وَأَفْضَلُهُ وَأَصْدَقُهُ بَعْدَ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَتَحْقِيقِ الطَّلَبِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّىٰ أَسْفَرَ جِدًّا). أَيْ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاقِفًا يَدْعُو مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيُهَلِّلُ وَيَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّىٰ أَسْفَرَ أَيْ: أَسْفَرَ النُّورُ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَمْكُثُونَ فِي الْمُزْدَلِفَةِ حَتَّىٰ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ وَهُوَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ فَتَرْتَفِعُ الشَّمْسُ فَوْقَهُ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالَفَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَتَرَكَ مَا كَانُوا يَتَفَاخَرُونَ بِهِ وَيَتَمَايَزُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ حُمْسًا، وَيَجْعَلُونَ لَهُمْ مِنَ الْخَصَائِصِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، وَهَٰذَا يَدُلُّنَا عَلَىٰ أَنَّ النَّاسَ سَوَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّ مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ، وَإِنَّمَا الْفَضْلُ بَيْنَ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ بِأَعْمَالِهِمْ ﴿فَلَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَىٰ أَعْجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَىٰ﴾. 
قَوْلُهُ: (فَدَفَعَ حَتَّىٰ تَطْلُعَ الشَّمْسُ). لَمْ يُفَضِّلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا إِلَّا فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ فِي الْحَجِّ حِينَمَا جَاءَ فِي السُّقْي قَالَ: لَوْلَا أَنْ يُزَاحِمَكُمُ النَّاسُ عَلَيْهِ لَسَقَيْتُ مَعَكُمْ لِكَيْ يَبْقَىٰ فَضْلُ السِّقَايَةِ لِبَنِي هَاشِمٍ.

قَالَ: (وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ حَتَّىٰ أَتَىٰ بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا). قَوْلُهُ: (بَطْنَ مُحَسِّرٍ) هُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَهُوَ قِيلَ بِمِقْدَارِ رَمْيَةِ حَجَرٍ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، فَمَسَافَتُهُ بِمِقْدَارِ رَمْيَةِ حَجَرٍ، وَلِذَٰلِكَ قُدِّرَ بِأَذْرُعٍ وَلَيْسَ بِالْكَبِيرِ جِدًّا.
قَالَ: (فَحَرَّكَ قَلِيلًا) يَعْنِي: أَسْرَعَ فِي الْمَشْيِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّىٰ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَىٰ الَّتِي تَخْرُجُ عَنِ الْجَمْرَةِ الْكُبْرَىٰ). اَلطَّرِيقُ الَّتِي سَلَكَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ فِي وَقْتِنَا الْآنَ كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ وَهُوَ الشَّيْخُ ابْنُ جَاسِرٍ فِي مَنْسَكِهِ وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الْمَاضِي هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يُسَمَّىٰ بِطَرِيقِ الْمُشَاةِ، طَرِيقُ الْمُشَاةِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِهِ النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ إِلَىٰ مُزْدَلِفَةَ هَٰذَا هُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي سَلَكَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّىٰ أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ). وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْكُبْرَىٰ، وَهَٰذِهِ الْجَمْرَةُ كَانَتْ بِجَانِبِ جَبَلٍ وَبِجَانِبِهَا شَجَرَةٌ فَأَمَّا الشَّجَرَةُ فَأُزِيلَتْ مُنْذُ الْقُرُونِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَأُزِيلَ فِي الْقَرْنِ الْمَاضِي مِنْ بَابِ التَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ فَكَانَ يَأْتِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْخَلْفِ.

قَوْلُهُ: (فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ). لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الرَّمْيُ بِأَقَلَّ مِنْ سَبْعٍ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ إِنَّ مِنَّا مَنْ يَرَىٰ أَنَّهُ قَدْ رَمَىٰ بِالسَّبْعِ وَمِنَّا مَنْ يَرَىٰ أَنَّهُ قَدْ رَمَىٰ بِالسِّتِّ، فَهَٰذَا مَحْمُولٌ عَلَى الشَّكِّ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالشَّكِّ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِبَادَةِ.

وَقَوْلُهُ: (رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ سَبْعِ رَمَيَاتٍ فَلَوْ جَمَعَ السَّبْعَ فَرَمَاهَا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ كَانَتْ كَرَمْيَةِ حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ.

قَوْلُهُ: (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا). يَعْنِي: يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّكْبِيرُ مَعَ كُلِّ حَصًى.

قَوْلُهُ: (مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ). أَيْ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْحَصَىٰ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ، وَحَصَى الْخَذْفِ أَكْبَرُهُ حَجْمُ الْأُنْمُلَةِ وَأَصْغَرُهُ كَالْحُمُّصَةِ (حَبَّةُ الْحِمِّصِ الصَّغِيرَةُ) هَٰذَا هُوَ حَصَى الْخَذْفِ.
الْحُمُّصَة (حَبَّةُ الْحِمِّصِ الصَّغِيرَةُ)
قَوْلُهُ: (رَمَىٰ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) أَيْ: لَمْ يَرْمِهِ مِنْ فَوْقِ الْجَبَلِ حَيْثُ كَانَ جَبَلٌ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ زَالَ الْجَبَلُ فَيَجُوزُ رَمْيُ هَٰذِهِ الْجَمْرَةِ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ). أَيْ: الْمَكَانُ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ الْهَدْيُ.

قَوْلُهُ: (فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ). عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهَٰذَا يَدُلُّنَا عَلَىٰ أَنَّ الْمَرْءَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُبَاشِرَ نَحْرَ هَدْيِهِ وَأُضْحِيَّتِهِ بِيَدِهِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِبِلِ كَانَ يُسْتَحِبُّ النَّحْرُ، وَفِي الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ الذَّبْحُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ الْإِبِلَ، وَنَحَرَهُ لِثَلَاثٍ وَسِتِّينَ بِيَدِهِ وَالْبَاقِي أَعْطَاهَا عَلِيًّا فِيهَا إِشَارَةٌ لِعُمُرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ عُمُرَهُ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ عِنْدَ وَفَاتِهِ كَانَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ عَامًا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَعْطَىٰ عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ). أَيْ: مَا غَبَرَ مِنَ الْمِئَةِ الَّتِي سَاقَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَوْلُهُ: (وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ). يَعْنِي جَعَلَ هَدْيَ عَلِيٍّ مَعَ هَدْيِهِ، وَلِذَٰلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّشْرِيكُ فِي الْهَدْيِ، وَسَيَأْتِينَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - الْإِشَارَةُ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّشْرِيكِ وَالِاشْتِرَاكِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، وَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا). لِأَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحَبِّ، يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَفِي هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَهَدْيِ الْمُسْتَحَبِّ مُطْلَقًا أَنْ يُقَسِّمَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَقِسْمٌ يُطْعِمُهُ الْفُقَرَاءَ، وَقِسْمٌ يُهْدِيهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الْحَجِّ: ٣٦] كُلُوا جُزْءًا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَهُوَ الصَّدِيقُ وَالْمُعْتَرَّ وَهُوَ الْفَقِيرُ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ جُزْءًا ثُمَّ جُعِلَتْ لَهُ فِي قِدْرٍ وَطُبِخَتْ فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
قَـٰلَ: (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ ٱللَّهِ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَفَاضَ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ).
قَوْلُهُ: (فَأَفَاضَ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ) أَيْ:
قَصَدَ ٱلْبَيْتَ بِطَوَافِ ٱلْإِفَاضَةِ.
قَوْلُهُ: (فَصَلَّىٰ بِمَكَّةَ ٱلظُّهْرَ) عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ.
قَالَ: (فَأَتَىٰ عَلَىٰ بَنِي عَبْدِ ٱلْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَىٰ زَمْزَمَ، فَقَالَ: «ٱنْزِعُوا بَنِي عَبْدِ ٱلْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ ٱلنَّاسُ عَلَىٰ سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ»).
وَهَٰذَا يَدُلُّنَا عَلَىٰ ٱسْتِحْبَابِ ٱلشُّرْبِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَبْلَ ٱلطَّوَافِ وَبَعْدَهُ، وَقَدْ شَرِبَ ٱلنَّبِيُّ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ٱلطَّوَافِ وَشَرِبَ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدَهُ فَلَمَّا رَوَىٰ عَبْدُ ٱللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ ٱلنَّبِيَّ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَضَىٰ طَوَافَهُ شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ.
قَالَ: (وَكَانَ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ٱلْمَنَاسِكَ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»).
هَٰذَا خَارِجُ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَهَٰذَا يَدُلُّنَا عَلَىٰ أَنَّ كُلَّ مَا نُقِلَ عَنِ ٱلنَّبِيِّ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَفْعَالِ ٱلْحَجِّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ ٱلتَّبْيِينِ، فَٱلْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ وُجُوبًا، وَخَاصَّةً إِذَا قَصَدَهُ عَلَيْهِ ٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَٰلِكَ: مَا جَاءَ مِنْ حَدِيثِ ٱبْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّ ٱلنَّبِيَّ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ ٱلْجَمَرَاتِ يَتَحَيَّنُ ٱلزَّوَالَ، فَفِعْلُهُ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَىٰ ٱلْوُجُوبِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِٱلرَّمْيِ قَبْلَ ٱلزَّوَالِ، فَدَلَّ عَلَىٰ أَنَّ ٱلْأَصْلَ فِي فِعْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْذَنْ بِخِلَافِهِ أَنَّهُ ٱلْوُجُوبُ فِي أَفْعَالِ ٱلْحَجِّ.
قَالَ: (فَأَكْمَلُ مَا يَكُونُ مِنَ ٱلْحَجِّ ٱلِٱقْتِدَاءُ بِٱلنَّبِيِّ صَلَّى ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم). لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، كُلُّ فِعْلٍ الْأَكْمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْحَجِّ لِأَنَّهُ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ أَنَّ النَّاسَ يَبْحَثُونَ عَنِ التَّخَفُّفِ وَيَبْحَثُونَ عَنِ الْأَسْهَلِ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْمَرْءَ أَرَادَ أَنْ يَتَرَخَّصَ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَاجْتَمَعَ فِيهِ الشَّرُّ كُلُّهُ كَمَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَسْعَى أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ عَلَى السُّنَّةِ وَأَلَّا يَتَلَاعَبَ فِيهِ فَإِنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا عَظِيمًا.


Post a Comment

أحدث أقدم