وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ: إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا اَلثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثلث فدعوا الربع (رواه أهل السنن)
-خَرَصْتُمْ : هُوَ تَقْدِيرُ الشَّيْءِ وَخَرْصُهُ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ وَالْحَزْرِ. يُقَالُ: خَرْصُ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ: حَزْرُ مَا عَلَيْهِمَا مِنْ الرُّطَبِ تَمْرًا، وَمِنْ الْعِنَبِ زَبِيبًا.
-دَعُوا الثُّلُثَ: اُتْرُكُوا لِأَهْلِ الْمَالِ الثُّلُثَ بِقَدْرِ مَا خَرَصْتُمْ
-تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَكَالِيفُهُ الشَّرْعِيَّةُ تَكُونُ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ وَالْقُدْرَةِ. وَالْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إِلَى الْيَقِينِ، أَوْ تَعَسَّرَ، اكْتَفَى بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَأَمْثِلَتُهُ فِي الشَّرْعِ كَثِيرَةٌ.
-أَنَّ عَلَى خَارِصِ الثَّمَرَةِ وَالْحَبِّ وَالْجَابِي أَلَّا يَسْتَقْصِيَ بِأَخْذِ كُلِّ الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لِأَصْحَابِ الْأَمْوَالِ ثُلُثَ الزَّكَاةِ أَوْ رُبُعَهَا؛ لِيُخْرِجَهَا صَاحِبُهَا عَلَى أَقَارِبِهِ وَجِيرَانِهِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ تَعَلَّقَتْ نُفُوسُهُمْ بِهَذِهِ الثَّمَرَةِ وَالْحَبِّ، وَتَخْيِيرُ الْخَارِصِ بَيْنَ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ رَاجِعٌ إلَى نَظَرِ الْخَارِصِ وَاجْتِهَادِهِ فِي تَحْقِيقِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْ سَخَاءِ صَاحِبِ الثِّمَارِ وَعَدَمِهِ، وَكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ وَقَلَبَتِهِمْ.
-تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الثِّمَارِ إِذَا بَدَا صَلَاحُهَا وَظَهَرَ نُضْجُهَا، وَتَجِبُ فِي الْحَبِّ إِذَا اشْتَدَّ حَبُّهُ فِي سُنْبُلِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِي بَيَادِرِهَا، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِتَشْمِيسِهَا وَتَجْفِيفِهَا، وَالْبَيَادِرُ هِيَ الْجُرْنُ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ قَطَعَهَا، أَوْ جَزَّهَا، أَوْ بَاعَهَا، أَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ قَبْلَ وَضْعِهَا فِي الْبَيْدَرِ -سَقَطَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ، إِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالْبَيْعِ وَالْقَطْعِ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهَا قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ وَضْعِهَا فِي الْبَيْدَرِ لَمْ تَسْقُطْ؛ لِاسْتِقْرَارِهَا بِذَلِكَ، فَالزَّكَاةُ وَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْمَالِ، إِلَّا أَنَّ لَهَا تَعَلُّقًا فِي الذِّمَّةِ.
-مَشْرُوعِيَّةُ خَرْصِ الثِّمَارِ، كَالنَّخْلِ وَالْعِنَبِ، وَذَلِكَ إِذَا بَدَأَ صَلَاحُ الثِّمَارِ، فَيَأْتِي الْخَارِصُ وَيُقَدَّرُ مَا عَلَى النَّخْلِ مِنْ الرُّطَبِ تَمْرًا، وَمَا عَلَى شَجَرِ الْعِنَبِ زَبِيبًا، فَيَطُوفُ بِالنَّخْلِ، وَيَرَى جَمِيعَ ثَمَرَتِهَا، ثُمَّ يَقُولُ: خَرْصُهَا كَذَا وَكَذَا رُطَبًا، وَيَجِيءُ كَذَا وَكَذَا يَابِسًا، وَكَذَا الْعِنَبُ.
-فَيُقَدَّرُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ وَلَا كَيْلٍ، لِيَعْرِفَ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ فِيهِ، فَإِذَا جَفَّتْ الثِّمَارُ أُخِذَتْ مِنْهَا الزَّكَاةُ الَّتِي سَبَقَتْ تَقَدُّرُهَا بِالْخَرْصِ. وَالْعَمَلُ بِالْخَرْصِ ثَابِتٌ، وَلَيْسَ هُوَ ظَنًا وَتَخْمِينًا؛ بَلْ هُوَ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الثِّمَارِ مِنْ الْعَارِفِينَ الثِّقَاتِ، وَيَكْفِي خَارِصٌ وَاحِدٌ.
-وَإِدْرَاكُ الثَّمَرِ بِالْخَرْصِ نَوْعٌ مِنْ الْمَقَادِيرِ وَالْمَعَايِيرِ، كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ؛ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أُحْصَرَ مِنْ بَعْضٍ. وَإِنْ تُرِكُوا بِلَا خَرْصٍ صَحَّ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْخَرْصَ فِيهِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ التَّوْسِعَةُ عَلَى أَهْلِهِ بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُونَ، فَيَبِيعُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَيَهْدُونَ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا مَا فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِثِمَارِهِمْ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ غَايَتُهَا فِي الصَّلَاحِ، لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ، وَلَوْ انْبَسَطَتْ أَيْدِيهِمْ فِيهِ لَأَخَلَّ ذَلِكَ بِحَقِّ الْفُقَرَاءِ، وَلَمَّا كَانَتَ الْأَمَانَةُ غَيْرَ مُتَحَقِّقَةٍ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ جَاءَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الْخَرْصِ.
-أَنَّهُ يُشْرَعُ تَرْكُ ثُلُثِ الثَّمَرَةِ أَوْ رُبُعِهَا لِلْمَالِكِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ الْخَارِصُ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ أَوْ رُبُعَهَا فَلَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، رَأْفَةً بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَتَوْسِعَةُ عِيِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْأَكْلِ هُمْ وَأَضْيَافُهُمْ، وَيُطَمِّعُونَ جِيرَانَهُمْ، وَأَهْلَهُمْ وَأَصْدِقَاءَهُمْ، وَسُؤَالُهُمْ، وَيَكُونُ فِي الثَّمَرَةِ السَّاقِطَةِ، وَيَنْتَابُهَا الطَّيْرُ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ الْمَارَّةَ، فَلَوْ اسْتَوْفَى الْعَامِلُ الْكُلَّ مِنْهُمْ أَضَرَّ بِهِمْ؛ فَإِذَا تَرَكَ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ نُظِرَ فِي الْبَاقِي؛ فَإِنْ بَلَغَ نِصَابًا وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
-وَتَخْيِيرُ الْخَارِصِ بَيْنَ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ رَاجِعٌ إِلَى نَظَرِ الْخَارِصِ وَاجْتِهَادِهِ فِي تَحْقِيقِ الْمَصْلَحَةِ عَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ الثَّمَرَةِ وَقِلَّتِهَا، وَعَلَى حَسَبِ حَالِ أَهْلِهَا وَسَخَائِهِمْ، وَكَثْرَتِهِمْ وَكَثْرَةِ أَضْيَافِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَالْخَارِصُ يَتْرُكُ الثُّلُثَ، فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ كَثِيرًا فَيَدَعُ الرُّبُعَ.
-أَمَّا مَا لَمْ يُخْرَصْ مِنْ الثِّمَارِ وَتَرَكَ لِأَمَانَةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
المراجع :
-توضِيحُ الأحكَامِ مِن بُلوُغ المَرَام، للشيخ عبد الله البسام
-منحة العلام في شرح بلوغ المرام، للشيخ عبد الله بن صالح الفوزان

إرسال تعليق