وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:  ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] .

-التَّوَكُّلُ هُوَ صِدْقُ الِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ، مَعَ الثِّقَةِ بِهِ تَعَالَى، وَفِعْلِ الْأَسْبَابِ الصَّحِيحَةِ.

-وَصِدْقُ الِاعْتِمَادِ: أَنْ تَعْتَمِدَ عَلَى اللَّهِ اعْتِمَادًا صَادِقًا، بِحَيْثُ لَا تَسْأَلُ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا تَسْتَعِينُ إِلَّا بِاَللَّهِ، وَلَا تَرْجُو إِلَّا اللَّهَ.

-إِثْبَاتُ الْحَيَاةِ لِلَّهِ وَنَفْيُ الْمَوْتِ عَنْهُ لِبَيَانِ كَمَالِ اتِّصَافِهِ بِالْحَيَاةِ جَلَّ وَعَلَا، وَكَمَالُ حَيَاتِهِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ جَمِيعِ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ لَهُ سُبْحَانَهُ
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] .
-قَدْ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ : «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ»
-الظَّاهِرُ، أَيْ: الْعَالِي، وَالظُّهُورُ مِنْ مَعَانِيهِ الْعُلُوُّ، فَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، بَلْ هُوَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [(١٨) سُورَةُ الْأَنْعَامِ]
-الْبَاطِنُ، أَيْ : الَّذِي دَنَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِبُطُونِهِ، فَبُطُونُهُ سُبْحَانَهُ إِحَاطَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ اطِّلَاعِهِ عَلَى السَّرَائِرِ وَالْخَفَايَا، وَدَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَخَبَايَا الْأُمُورِ.
-إِثْبَاتُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْكَرِيمَةِ لِلَّهِ (الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) الْمُقْتَضِيَةُ لِإِحَاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ. فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْأَرْبَعَةُ مُتَقَابِلَةٌ : اسْمَانِ لِأَزَلِيَّتِهِ وَأَبَدِيَّتِهُ سُبْحَانَهُ وَاسْمَانِ لِعُلُوِّهِ وَقُرْبِهِ
-فَفِي اسْمِهِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ إِحَاطَتُهُ الزَّمَانِيَّةُ، وَفِي اسْمِهِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ إِحَاطَتُهُ الْمَكَانِيَّةَ.
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَه: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٣] .
-الْعَلِيمُ : الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِالظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنِ وَالْإِسْرَارِ وَالْإِعْلَانِ، وَبِالْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، بِالْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ، عَلِمَ مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا.
-الْحَكِيمُ : تَدُلُّ عَلَى حُكْمٍ وَإِحْكَامٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْحَكِيمُ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْحَكِيمُ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ، إِذًا: يَدُلُّ هَذَا الِاسْمُ الْكَرِيمُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالْحِكْمَةِ، لِأَنَّ الْإِحْكَامَ هُوَ الْإِتْقَانُ، وَالْإِتْقَانُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ. فَفِي الْآيَةِ إِثْبَاتُ حُكْمٍ وَإِثْبَاتُ حِكْمَةٍ.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢]  : إِثْبَاتُ عِلْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ الْمُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾  [الأنعام: ٥٩] .
-وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ : عِنْدَهُ خَزَائِنُ الْغَيْبِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهَا، وَمِنْهَا الْخَمْسُ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [ سورة لقمان : 34]، فَهَذِهِ خَمْسٌ تَفَرَّدَ اللَّهُ بِعِلْمِهَا لَا يَعْلَمُهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ  وَمُسْلِمٌ)
-إِثْبَاتُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ، وَفِيهَا إِثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالْكِتَابَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]  وَقَوْلُهُ: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] .
-فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ إِثْبَاتُ عِلْمِ اللَّهِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَإِثْبَاتُ قُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.


وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] .
-الرَّزَّاقُ : صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الرَّزْقِ، وَكَثْرَتِهِ. فَكُلُّ مَا يَحْصُلُ لِلْعِبَادِ مِنْ رِزْقٍ مَادِّيٍّ، أَوْ مَعْنَوِيٍّ مِنْ: عِلْمٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ أَيِّ مَنْفَعَةٍ فَمِنْهُ سُبْحَانَهُ.
-﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ أَيْ : صَاحِبُ الْقُوَّةِ التَّامَّةِ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ ضَعْفُ 
-﴿الْمَتِينُ﴾ أَيْ : الْبَالِغُ فِي الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ نِهَايَتُهُمَا فَلَا يَلْحَقُهُ فِي أَفْعَالِهِ مَشَقَّةٌ وَلَا كُلْفَةٌ وَلَا تَعَبٌ. وَالْمَتَانَةُ مَعْنَاهَا : الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ.


المراجع
-شرح العقيدة الواسطية، للشيخ خالد بن عبد الله بن محمد المصلح
-توضيح مقاصد العقيدة الواسطية، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
-شرح العقيدة الواسطية، للشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين
-شرح العقيدة الواسطية، للشيخ الفوزان
-فقه الأسماء الحسنى، للشيخ عبد الرزاق البدر

Post a Comment

أحدث أقدم